رؤية عروبية لمتغيرات عربية

صبحي غندور

  

============================================================================================================================================

منشورات "مركز الحوار العربي" - واشنطن

خريف العام 2011

====================================================================================================================

 

 

 

المحتويات

 

معيار التغيير الإيجابي المطلوب

*****

"شاهدُ عيَان" على حال الأمَّة ككل!

*****

ثورة ليبية تكتمل بالتَّكامل مع مصر وتونس

*****

خطايا يكرّرها العرب والغرب معاً

*****

أحلامٌ في مواجهة كوابيسَ واقعة

*****

أيُّ فكرٍ وأيّةُ ديمقراطية تختلف حولهما التيّارات الدينية والعلمانية العربية؟!

*****

حملةٌ ضدَّ "الهُويّة العربية".. فما هو بديلها؟!

*****

التكامل المطلوب بين ثورتَيْ "يوليو" و"يناير"

*****

تغييرٌ عربي لصالح متغيّراتٍ دولية!

*****

التدويل والتقسيم يحيطان بمصر.. فما تنتظره قياداتها بعد؟

*****

مؤامرات أمْ مجرّد حراكٍ شعبي؟

*****

موجودٌ "شارعٌ عربي".. لا "مشروعاً عربياً"

*****

ثلاثيات نحتاجها عربيّا

*****

"ثوابت" إسرائيلية في عصر "المتغيّرات" العربية

*****

إسرائيل خسرت نظاماً..  لكن تتطلّع إلى ربح كيانات!

*****

العرب.. إلى أيِّ منقلب؟

*****

أيّة "هُويّة" للحراك من أجل الديمقراطية؟!

*****

ثوراتٌ وانتفاضات على أرضيّة مشاريع فتنةٍ وتدويل

*****

ثوراتٌ عربية.. ومشاريع أميركية وإسرائيلية

*****

ملاحظات على مسار المسيرات الشعبية العربية

*****

قوى التغيير العربية ليست كلّها في سلَّةٍ واحدة

*****

السؤال المحيّر عن موقف أميركا من الثورات العربية

*****

التغيير لن يكون سهلاً.. والنتائج لن تكون سريعة

*****

ماهيَّة هذه المرحلة.. وإلى أين مصريّاً؟

*****

حالُ العرب هو من حالِ مصر

*****

شباب مصر.. و"ثورة 23 يوليو"

*****

مصر أمام إستحقاق التغيير: تغيير في السياسة.. أم في الأشخاص والنظام فقط

*****

من السودان إلى تونس: هواجس خوف وبوارق أمل

 

 


 

معيار التغيير الإيجابي المطلوب

 

تسود الآن رؤيتان لتفسير ما يحدث في المنطقة العربية، ويزداد الشرخ والمسافة بينهما يوماً بعد يوم. الرؤية الأولى تعتبر أنّ "العدوّ" في هذه المرحلة هو "الاستبداد" الذي يجب إسقاطه ولو من خلال الاستعانة بقوًى أجنبية. أمّا الرؤية الثانية فهي على الطرف النقيض، حيث تعتبر أنّ الخطر الأكبر في هذه المرحلة هو التدخّل الأجنبي في شؤون البلاد العربية، وفي السعي الدولي المحموم للهيمنة عليها من جديد، وبأنّ هذا الخطر يستوجب التسامح مع ما هو قائمٌ في داخل بعض الأوطان العربية من أوضاع دستورية واقتصادية وأمنية.

واقع الحال أنّ كلاً من الرؤيتن يحتاج إلى نقدٍ وتصويب. فمواجهة الاستبداد الداخلي من خلال الاستعانة بالتدخّل الخارجي، جلب ويجلب الويلات على البلدان التي حدث ذلك فيها، حيث تغلب حتماً أولويات مصالح القوى الخارجية على المصلحة الوطنية، ويكون هذا التدخّل نذير شرٍّ بصراعاتٍ وحروبٍ أهلية، وباستيلاءٍ أجنبيٍّ على الثروات الوطنية، وبنزعٍ للهويّة الثقافية والحضارية الخاصّة في هذه البلدان. أمّا "التسامح" مع الاستبداد من أجل مواجهة الخطر الخارجي فإنّه، عن غير قصد، يدعم كلَّ المبرّرات والحجج التي تسمح بهذا التدخّل. فبمقدار ما يكون هناك استبداد، تكون هنالك الأعذار للتدخل الأجنبي.

لذلك كان مهمّاً استيعابُ دروس تجارب شعوب العالم كلّه، بأنّ الفهم الصحيح لمعنى "الحرّية" هو في التلازم المطلوب دائماً بين "حرّية المواطن" و"حرّية الوطن"، وبأنّ إسقاط أيٍّ منهما يُسقط الآخر حتماً.

فهل ما يحدث الآن في المنطقة العربية هو تعبيرٌ عن هذا الفهم الصحيح لمعنى الحرّية؟!

طبعاً، من الخطأ وضع كلّ الثورات والانتفاضات العربية في سلّةٍ واحدة، ثمّ تأييدها والتضامن معها تبعاً لذلك. فالمعيار هو ليس المعارضة فقط أو أسلوب المسيرات الشعبية، بل الأساس لرؤية أيٍّ منها هو السؤال عن هدف هذه الانتفاضات، ثمّ عن هويّة القائمين عليها. فمنذ انطلاقة الثورة التونسية أولاً، ثمّ المصرية لاحقاً، تأكّدت أهميّة التلازم المطلوب بين الفكر والأسلوب والقيادات في أيِّ حركة تغييرٍ أو ثورة، وبأنّ مصير هذه الانتفاضات ونتائجها سيتوقّف على مدى سلامة هذه العناصر الثلاثة معاً. فالتغيير السياسي، وتحقيق الإصلاحات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية، هو أمرٌ منشودٌ ومطلوب لدى العرب أجمعين، لكن من سيقوم بالتغيير وكيف.. وما هو البديل المنشود؟ وما هي تأثيراته على دور هذه البلدان وسياساتها الخارجية..؟ كلّها أسئلة لم تجد حتّى الآن إجابةً عنها في عموم المنطقة العربية، رغم أنّها مهمّةٌ جداً لفهم ما يحدث ولمعرفة طبيعة هذه الانتفاضات الشعبية العربية.

أيضاً، المشكلة في الموقف من هذه الانتفاضات أنّ المعايير ليست واحدةً عند العرب ككُل، فصحيحٌ أنّها تحدث على الأرض العربية وتترك تأثيراتها على المنطقة بأسرها، لكن ما هو معيارٌ شعبيٌّ عربيٌّ عام لدعم هذه الثورة أو تلك يختلف ربّما عن معيار أبناء الوطن نفسه. فمعظم العرب رحّبوا مثلاً بالثورة المصرية، لأنّها أنهت عهداً من سياسةٍ خارجية مصرية كانت لا تعبّر عن مصر وشعبها ودورها التاريخي الريادي، بينما المعيار الأهم لدى الشعب المصري كان مسائل داخلية؛ كالفساد السياسي للنظام السابق، والظلم الاجتماعي الناتج عنه، وغياب المجتمع الديمقراطي السليم.

إنّ حركات التغيير العربية السائدة حالياً تحدث على أرضٍ عربية مجزّأة، حيث ينعكس ذلك على طبيعة الحكومات وعلى ظروف المعارضات، كما أنّها تجري في منطقةٍ تتحرّك فيها قوًى إقليمية ودولية عديدة، لها أجنداتها الخاصة، وتريد أن تصبّ "تغييرات" ما في مصالحها، فضلاً عن حدوث هذه الانتفاضات بعد أن مضت مؤخّراً سنواتٌ عجاف، جرى فيها إطلاق الغرائز الانقسامية الطائفية والمذهبية والإثنية على امتداد الأرض العربية، من محيطها الأطلسي إلى خليجها العربي. وقد يكون الأهمّ في ظروف هذه الانتفاضات، وما يحيط بها من مناخ، هو وجود إسرائيل نفسها ودورها الشغّال في دول المنطقة (منذ تأسيس إسرائيل) من أجل إشعال الفتن الداخلية وتحطيم الكيانات القائمة لصالح مشروع الدويلات الدينية والإثنية.

وإذا كانت أيّة دولة تعني مزيجاً من (الحكم والشعب والأرض)، فإنّ السؤال الهام، الذي سيُطرَح أمام المتغيّرات القادمة في أيِّ من الدول العربية، هو: كيف الحكم، لأيِّ شعب، على أيِّ أرض؟!! علماً أنّه مهما جرى من اختلافٍ على طبيعة الحكم، فإنّ الحسم مطلوبٌ أولاً؛ لوحدة هذا الشعب، ولحرّية ووحدة هذه الأرض.

إذن، التغيير حاصلٌ في المنطقة العربية، بفعل التراكمات المتلاحقة للأحداث كمّاً ونوعاً في المجتمعات العربيّة، لكن السؤال المركزي هو: التغيير في أيِّ اتجاه؟ هل نحو مزيدٍ من السوء والتدهور والانقسام، أم سيكون التغيير استجابةً لحاجات ومتطلّبات بناء مجتمع أفضل؟!

هنا يظهر التلازم الحتمي بين الفكر والأسلوب في أيِّ عمليّة تغيير، كما تتّضح أيضاً المسؤوليّة المشتركة للأجيال المختلفة. فلا "الجيل القديم" معفيٌّ من مسؤوليّة المستقبل، ولا "الجيل الجديد" براءٌ من مسؤوليّة الحاضر. كلاهما يتحمّلان سويّاً مسؤوليّةً مشتركة عن الحاضر والمستقبل معاً. وبمقدار الضّخ الصحيح والسليم للأفكار، تكون الحركة من قبل الجيل الجديد صحيحةً وسليمةَ الخطى نحو مستقبل أفضل. فالغاية الوطنيّة الشريفة، مثلاً، لا تتحقّق إذا كان منطلقها، أو الأسلوب المعتمد من أجلها، هو طائفيٌّ أو مذهبيٌّ أو فئوي.

إنّ التّعامل مع سلبيّات الواقع العربي الراهن، والعمل لإيجاد بدائل إيجابيّة، يتطلّب أوّلاً تحديد جملة مفاهيم ترتبط بالهويّة وبالانتماءات المتعدّدة للإنسان العربي، وبدور الدّين في المجتمع، وبالعلاقة الحتمية بين حرّية الوطن وحرّية المواطن، وبالفهم الصّحيح للعروبة وللمواطنيّة وللعلاقة مع "الآخر"، وفي التلازم المنشود بين القيادات الوطنية غير المرتهنة للخارج، وبين الفكر السليم لروّاد الحركة الشعبية السلمية اللاعنفية.

فالمسألة هي ليست في رفع شعارات الديمقراطية وإسقاط الاستبداد فقط، بل هي في كيفيّة الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد، وبضمان أنّ طريق الديمقراطية لن يمرّ في تجزئة الكيانات، إن لم نقل في إخضاعها للسيطرة الأجنبية أولاً!.

ثمّ ما هي آفاق السياسات الخارجية للبدائل "الثورية"، من حيث العلاقة مع القوى الكبرى وإسرائيل، وهل ستكون "الشرق أوسطية" هي الإطار الجامع لدول المنطقة أم ستكون هناك خطواتٌ جدّية من "الحكومات الجديدة" نحو تكاملٍ عربيٍّ شامل، يعزّز الهويّة العربية المشتركة، ويأخذ بالنموذج الاتحادي الأوروبي كصيغة مستقبلية للعلاقة بين الدول العربية؟

المنطقة العربية كلّها بحاجةٍ فعلاً لإصلاحاتٍ دستورية واقتصادية واجتماعية. كل المنطقة بحاجةٍ إلى العدل السياسي والاجتماعي. كل المنطقة بحاجةٍ إلى المشاركة الشعبية الفعّالة والسليمة في الحكم وقرارته. لكن هذا كلّه يحدث وسيحدث على أرضٍ غير مستقرّة، ولا هي موحّدةٌ ولا متحرّرة من أشكال مختلفة من الهيمنة الأجنبية والتدخّل الإقليمي. وهذا الأمر يعيدنا إلى مسؤولية قوى التغيير والمعارضات العربية، وإلى مقدار تنّبهها ألا تكون وسيلةً لخدمة أهداف ومصالح غير أهداف ومصالح شعوبها. هنا كانت المشكلة أصلاً في السابق، حينما عجزت هذه القوى عن البناء السليم لنفسها: فكراً وأسلوباً وقيادات، فساهمت عن قصدٍ أو غير قصد في خدمة الحكومات والحكّام الظالمين الفاسدين وأطالت بأعمار حكمهم، ممّا جعل شرارت التغيير تبدأ من خارج هذه القوى، ومن شبابٍ عربي يحتاج أصلاً إلى الرعاية الفكرية والسياسية السليمة بعدما قام هو نفسه بأسلوب تغييرٍ سليم.

فحبّذا لو يسبق أيَّ حركة تغيير وضوحٌ في الأهداف، وفي برامج العمل، وهويّة البدائل وطبيعتها، فربّما يشكّل ذلك حدّاً أدنى من الاطمئنان، ويحول دون ترك سير الأمور كَحَال من يصطاد في البحر ويجهل ما ستحويه شبكته بعد حين. فجوع الصياد وحده ليس هو المعيار.

ولا يجوز طبعاً أن تكون "الأساليب" السليمة مطيّةً لأفكار ومشاريع وقيادات غير سليمة، تعمل على سرقة التضحيات والإنجازات الكبرى، وتُعيد تكرار ما حدث سابقاً في المنطقة العربية من تغييرات، كانت تحدث من خلال بعض الانقلابات العسكرية أو الميليشيات المسلحة ثم تتحوّل إلى أسوأ ممّا سبقها من واقع.

الواقع العربي الراهن لا نجد فيه التوازن السليم، ولا التلازم المطلوب، بين المطالبة ب "الديمقراطية والعدالة"، وبين "الحرص على التحرّر والوحدة الوطنية والهوية العربية"، وبين "رفض أسلوب العنف وكافة أشكال التدخل الأجنبي". فمعيار التغيير الإيجابي المطلوب، في عموم المنطقة العربية، هو مدى تحقيق هذه الشعارات والأساليب معاً.

19-9-2011

 


 

=====================================================================

"شاهدُ عيَان" على حال الأمَّة ككل!

 

ما زلت أذكر طرفةً كان يردّدها البعض، لعقودٍ خلت في بيروت، عن قول أحد البيروتيين لصديقٍ له: (عجيبٌ أمْرُ ذلك الشخص "شاهد عيان".. كلَّ يوم أقرأ له تصريحاتٍ في الصحف عن أكثر من قضية، فهو حتماً إنسانٌ مهمٌّ جدّاً، لكن كيف يستطيع السيد "شاهد" أن يكون في أمكنةٍ مختلفة وفي يومٍ واحد؟).

في الأشهر الماضية، كثُر استخدام المحطات الفضائية العربية لظاهرة "السيد شاهد عيان" بل أصبح "هو" مصدر الأخبار بالنسبة لبعضها و"المحلّل السياسي الأول" على هذه المحطات.

طبعاً، من المفهوم سبب الاعتماد على "شاهد عيان" في ظلِّ غياب حرّية العمل الإعلامي، لكن الخوف أن ينتقل المعنى اللغوي الصحيح لتعبير "شاهد عيان": (مَن شاهَدَ بالعين ويشهد على ذلك)، إلى المعنى الخطير في اللهجة العامّية المصرية (عيّان)، أي (شاهد مريض) ولا يُعتدّ بشهادته!.

هناك الآن في الأمَّة العربية الكثير من "شواهد الأعين"، والكثير أيضاً من "الشهداء" الذين يسقطون في معارك "التغيير والديمقراطية" السائدة حالياً، بعدما كان تعبير "الشهداء" يرتبط في ذهن المواطن العربي بمعارك التحرّر من الاستعمار والاحتلال. المؤسف في الواقع الراهن هو الحملة الجارية من بعض مؤيّدي "شهداء الديمقراطية" ضدَّ مناصري "شهداء مقاومة الاحتلال". وكأنّ الخيار الآن في الأمَّة هو بين الشهادة من أجل حرّية المواطن أو الشهادة من أجل حرّية الوطن!.

ما نحتاجه في هذه المرحلة ليس "شهود عيان" فقط على أوضاع "زواريب وأحياء" في هذه المنطقة أو تلك، بل أيضاً "شهود عيان" على أوضاع الأمَّة العربية ككل، وعلى ما يحدث فيها وحولها من متغيّرات سياسية ستُدخِل بعض أوطانها في التاريخ لكن قد تُخرجها من الجغرافيا. 

إذ هل هي صدفةٌ أن يبدأ هذا العام "الديمقراطي" الجاري بإعلان تقسيم السودان، وتحويل جنوبه إلى دولة مستقلة وَضَعت في أولويّاتها بناء العلاقة الخاصة مع إسرائيل؟!

ثم هل هي صدفةٌ أيضاً أن تكون القوات الأطلسية قد حطّت رحالها وهيمنتها في معظم أرجاء المنطقة خلال العقد الماضي، وأن يكون العراق الذي خضع للاحتلال الأميركي/البريطاني، ثمّ دولة جنوب السودان الوليدة بفعل دعم أميركي/أوروبي/إسرائيلي، ثمّ ليبيا المتغيّرة الآن بدعم أطلسي، هي كلّها مناطق نفطية هامّة؟!

وهل كانت صدفةً أيضاً أن تتزامن في ظلّ إدارة بوش الدعوة الغربية للديمقراطية في المنطقة مع احتلال العراق أولاً ثمّ ما تبعه من حربين لاحقاً على لبنان وغزّة؟!. ألم يُخصّص الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قمّة مجموعة الدول الثمانية، التي انعقدت في ولاية جورجيا الأميركية صيف العام 2004، من أجل موضوع الديمقراطية في المنطقة بعد عامٍ من احتلال العراق! ألم يقل الرئيس بوش في كلمته بقمّة الناتو في إسطنبول، في العام نفسه، إنّ تركيا التي هي عضو في حلف الناتو ولها علاقات مع إسرائيل، تصلح لأن تكون نموذجاً للدول الديمقراطية المنشودة في العالم الإسلامي؟!

تساؤلاتٌ عديدة تفرضها التطوّرات الراهنة في المنطقة العربية، التي تختلط الآن فيها الإيجابيات مع السلبيات دون فرزٍ دقيق بين ما هو مطلوب وما هو مرفوض. فحتماً هي مسألة إيجابية ومطلوبة أن يحدث التغيير في أنظمة الحكم التي قامت على الاستبداد والفساد، وأن ينتفض النّاس من أجل حرّيتهم ومن أجل الديمقراطية والعدالة. لكن معيار هذا التغيير، أولاً وأخيراً، هو وحدة الوطن والشعب واستقلالية الإرادة الشعبية عن التدخّلات الأجنبية.  فما قيمة أي حركةٍ ديمقراطية إذا كانت ستؤدّي إلى ما هو أسوأ من الواقع القائم، أي إلى تقسيم الأوطان والشعوب ومشاريع الحروب الأهلية!. ثمّ ما هي ضمانات العلاقة مع الخارج الأجنبي، وما هي شروط هذا الخارج حينما يدعم هذه الانتفاضة الشعبية أو تلك؟!

إنّ المشكلة هنا هي ليست في مبدأ ضرورة التغيير ولا في مبدأ حقّ الشعوب بالانتفاضة على حكّامها الظالمين، بل في الوسائل التي تُعتَمد وفي الغايات التي تُطرَح وفي النتائج التي تتحقَّق أخيراً. وهي كلّها عناصر ترتبط بمقوّمات نجاح أيّة حركة تغييرٍ ثوري، حيث لا فصل ولا انفصال بين ضرورة وضوح وسلامة القيادات والأهداف والأساليب. فلا يمكن حصر المراهنة على أسلوب التغيير، الذي يحدث متزامناً مع بقاء القيادات والغايات والبرامج الفعلية مجهولة التفاصيل، كما لا يمكن أيضاً تجاهل مدى علاقة التغيير الديمقراطي المنشود بمسائل الصراعات الأخرى الدائرة في المنطقة، وفي مقدّمتها الصراع العربي/الصهيوني.

 

يُذكّرني ما يحدث حالياً بما جرى في فترة الحرب الباردة بالنصف الثاني من القرن العشرين حيث كانت دول العالم الثالث (وهي المنطقة العربية وإفريقيا وأميركا اللاتينية وقسمٌ كبيرمن آسيا) تعيش همّاً يختلف في طبيعته عن هموم دول "العالم الأول" الغربي الديمقراطي، وهموم "العالم الثاني" الشرقي الاشتراكي... فقد كان الهمُّ الأول لدول "العالم الثالث" هو التحرّر الوطني والقومي من القواعد العسكرية الأجنبية، ومن السيطرة الاستعمارية المباشرة التي ميّزت القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

ف"الديمقراطية" و"العدالة الاجتماعية" هما أساس لبناء المجتمعات من الداخل حينما يكون هذا الداخل متحرّراً من سيطرة الخارج، لكن عندما يخضع شعبٌ ما للاحتلال أو للسيطرة الخارجية، فإنّ مفاهيم ووسائل تطبيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، ستكون حصراً بما يتناسب مع مصالح المحتل أو المسيطر، لا بما يؤدّي إلى التحرّر منه أو من نفوذه المباشر. ويتّضح هذا الأمر أكثر بمراجعة كيفيّة إصرار القطب "الشرقي" الشيوعي العالمي خلال القرن العشرين على تهميش أي دور للإرادة الوطنية الحرّة في المجتمعات التي كانت تسير في فلكه، وعلى تهميشه، بل ورفضه، لأي طرح ديمقراطي وطني مستقل. وكذلك الأمر كان مشابهاً على الطرف الآخر الرأسمالي "الغربي"، الذي كان يريد تهميش كلّ طرحٍ يرتبط بتحرّرٍ وطني أو دعوةٍ لنظامٍ اجتماعيٍّ عادل، ويعمل على إبقاء السيطرة الاقتصادية للشركات الغربية الكبرى، تحت حجَّة "حرّية السوق" والنظام الاقتصادي الحر وشعارات الديمقراطية الرنَّانة.

وقد سعى آنذاك "الشرق" الشيوعي و"الغرب" الرأسمالي، إلى وضع العالم كلّه أمام خيار "الديمقراطية" أو "الإشتراكية"، فإمّا مع هذا الطرف فكرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بل وحتّى ثقافياً، وإمّا ضدَّه بالكامل إذا جرى الاعتراض أو الاختلاف مع بعض طروحاته!

الآن، وفي بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ووحدانية السيطرة العالمية لمفاهيم القطب الغربي الرأسمالي.. يشهد العالم حالة فوضى من الطروحات التي تتفاعل داخل كلِّ مجتمع.. لكن لم تستطع هذه المتغيّرات الدولية أن تلغي حاجة شعوب العالم كلّهم إلى التلازم: بين الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، بين التحرّر الوطني وحرّية المواطنين، بين رفض الاستبداد ومقاومة الاحتلال معاً، بين الانفتاح على العالم وبين الحرص على الهُويّة الوطنية والقومية والحضارية.

أعين العالم كلّه مشدودةٌ الآن إلى ما يحدث في المنطقة العربية من تحوّلات، فهي منطقة الثروات والموقع الإستراتيجي ومقرّ المقدّسات الدينية. لكن بعض هذا "العالم" لا يكتفي بدور "شاهد العيان" أو بالنّظر من بعيد، بل يمدّ يداه ويحاول وضع قدميه أيضاً في أرض هذه التحوّلات ومع صانعيها. لذلك، فإنّ الأمَّة العربية بحاجةٍ الآن إلى "شهود بصائر"، ينظرون إلى ما يحدث في أوطانهم وأمّتهم بقوّة البصيرة لا بما تشاهده الأبصار أو تسمعه الآذان فحسب. الأمّة بحاجةٍ إلى حكّامٍ ومعارضين يدركون ما الذي يفعلونه ببلدانهم، ولا يكتفون بالمراهنة؛ على قوّة الأمن، أو قوّة الشارع، أو قوّة الدعم الخارجي ..

 

30-8-2011
 

=====================================================================

ثورة ليبية تكتمل بالتَّكامل مع مصر وتونس

 

في 20 أغسطس من العام 1971، أعلنت مصر وسوريا وليبيا دستور "اتحاد الجمهوريات العربية". وانطلق هذا الإعلان آنذاك من فكرة تكامل هذه الدول الثلاث في إطار اتّحادٍ يُعزّز القدرة على مواجهة إسرائيل، ويؤكّد على ما جاء سابقاً في قرارات القمّة العربية في الخرطوم بأن لا صلح ولا تفاوض مع إسرائيل ولا تفريط في القضية الفلسطينية، وعلى أهمّية العمل من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة وتسخير كافّة الإمكانات والطاقات العربية من أجل ذلك، إضافةً إلى التأكيد على الهويّة العربية  المشتركة.

طبعاً، لم تُكتَب الحياة طويلاً لهذه التجربة الاتحادية العربية، خاصّةً بعد حرب أكتوبر 1973 والتي شهدت فعلاً تنسيقاً هاماً وتكاملاً بين مصر وسوريا ودول النفط العربي أدّى إلى انتصار أكتوبر، لكن ما حدث فيما بعد على الجبهة المصرية من اتفاقاتٍ مع إسرائيل، برعايةٍ أميركية، أخرج مصر من دائرة الصراع العربي/الإسرائيلي وحتّى من الجامعة العربية نفسها، وانتهت بذلك تجربة "اتحاد الجمهوريات العربية".

كم هي ماسّةٌ الحاجة الآن لإعلان "اتحاد الجمهوريات الثورية العربية" بعد نجاح شعوب تونس ومصر وليبيا بتغيير أنظمتها، وإن بأساليب وظروف مختلفة. فتونس ومصر وليبيا تربط الآن بينهم وحدة حال ووحدة آمال ووحدة مصالح ووحدة مخاطر ووحدة أرض، إضافةً إلى ما يربط بينهم وبين كلّ العرب من وحدة ثقافة وتاريخ ومستقبل. وهذه الدول الثلاث تحتاج حالياً إلى بعضها البعض لإعادة الأمن والاستقرار على أراضيها بلا تدخّلٍ أجنبيٍّ طامع بالسيطرة على الأوطان والثروات، أو مُهدَّدٍ بوقف مساعدات. وهي أيضاً بلدانٌ تُكمّل بعضها البعض في المسائل الاقتصادية والتنموية، المطلوبة في المرحلة القادمة.

فانتصار الشعب الليبي في ثورته سيكون عند محكٍّ هو كيفيّة التعامل مع تحدّياتٍ تفرض نفسها الآن على ليبيا. فالمخاوف هي كبيرةٌ على وحدة القوى الشعبية الليبية وعلى وحدة الوطن نفسه. والتساؤلات هي عديدةٌ حول كيفيّة بناء مؤسسات الدولة، بعد أربعين عاماً من غياب "دولة المؤسسات"، خاصّةً "المؤسسة العسكرية" التي عليها يتوقّف ضبط الأمن وتحقيق الأمان والاستقرار في عموم ليبيا. ثمَّ الخوف هو أيضاً من انعكاس التنوّع القبلي وتعدّد المدارس الفكرية، وسط الجماعات الليبية المتآلفة الآن، على مستقبل النظام السياسي المنشود. فهاهما مصر وتونس تشهدان غلياناً فكرياً وسياسياً حول موضوعات الدستور والانتخابات ومصادر التشريع وتفاصيله، وهما لم تشهدا الحالة العنفية الطويلة التي سادت في ليبيا، ولم تتفكّك فيهما المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولم تسيطر على شوارعهما قوًى عسكرية غير نظامية.

أيضاً، أسئلةٌ كثيرة تطرح الآن نفسها حول مستقبل العلاقة مع "حلف الناتو"، وعن مدى تأثير الغرب مستقبلاً في القرار الوطني الليبي وفي الثروة النفطية وفي الأموال الليبية المحجوزة في الدول الغربية. وهذا أمرٌ يرتبط أيضاً بمصير السياسة الخارجية الليبية، وكيف سيكون عليه موقف الحكم الجديد من إسرائيل والقضية الفلسطينية، ومن مسألة "هُويّة" ليبيا، بعدما أبحر حكم القذافي فيها من "العروبة" إلى "الأفرقة" إلى "العالمية" وصولاً إلى ضياع الهويّة نفسها.

هذه المخاوف والتساؤلات المشروعة عن ليبيا وعن مستقبل الحكم والسياسة فيها، يمكن الحدُّ منها إذا أسرع "المجلس الانتقالي" في طلب المساعدة الأمنية من مصر- قبل أن تبادر دول "حلف الناتو" بفرض نفسها- لإعادة بناء المؤسّسات الأمنية الليبية، ثم إقامة تنسيقٍ وتكاملٍ مع مصر وتونس في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث تشترك الآن هذه الأوطان في الظروف وفي المصالح وفي التواصل الجغرافي والثقافي. 

فالمنطقة العربية بحاجةٍ الآن لهذا النموذج "الاتحادي الثوري العربي"، الذي يؤكّد على ضرورة التلازم بين البناء الديمقراطي وبين الهويّة العربية ورفض الهيمنة الأجنبية.

إنّ المنطقة العربية تعيش مرحلةً خطيرة من الاستقطابات الدولية/الإقليمية في ظلّ غيابٍ متواصل لمشروعٍ عربيٍّ مشترَك ولإرادةٍ عربية مشترَكة.

والآن تنتظر المنطقة العربية نتائج التحوّل السياسي الذي يحدث في مصر بعد "ثورة يناير" لمعرفة كيف سيكون عليه الدور المصري في عموم المنطقة، وما مدى تأثيراته المرتَقبة على المشاريع الدولية والإقليمية.

فالأمل بغدٍ أفضل لا يرتبط بوجود ثوراتٍ وحركات تغييرٍ فقط، بل الأساس هو مرسى هذا التغيير ونتائجه. إذ هل الديمقراطية السليمة، القائمة على وحدةٍ وطنية شعبية وعلى ترسيخ الولاء الوطني وعلى الهويّة العربية وعلى التمسّك بوحدة الكيان الوطني، هي البديل لأنظمةٍ دكتاتورية، أم سيكون بديلَها صراعاتٌ أهلية وتقسيماتٌ جغرافية وتدويلٌ أجنبي؟ وما هي ضمانات حدوث التحوّل نحو الديمقراطية السليمة طالما أنّ المجتمعات العربية موبوءة بأمراض التحزّب القبلي والطائفي والمذهبي والإثني؟ وطالما أنّ هناك أيضاً مشاريع فتنة وتقسيم وتدويل لدول المنطقة؟!

هناك بلا شك إيجابياتٌ تحقّقت حتى الآن، لكن مظلّة السلبيات ما زالت تغطّي سماء المنطقة وتحجب شروق شمس التغيير السليم المنشود فيها. فثورتا تونس ومصر اتّسمتا بالأسلوب السلمي وبالطابع الوطني التوحيدي وبغياب مخاطر التقسيم والتدويل، وبالأمل في تغييرٍ سياسي يصبّ في صالح الوطن والعروبة ونهج المقاومة، لا في صالح الأجانب وإسرائيل ونهج الشرذمة، بينما القلق يحيط بانتفاضاتٍ وثوراتٍ عربية في بلدان أخرى حيث بعضها مُهدَّد بخطر التقسيم، والبعض الآخر بخطر التدويل، والكلُّ بمخاطر الحروب الأهلية والتدخّل الأجنبي.

 

لقد حدثت على الأرض العربية في هذا العام نماذج إيجابية وسلبية: فالسودان خسر جنوبه بعد حربٍ أهلية وتدويلٍ لأزماته وتدخّلٍ أجنبيٍّ سافر في ظلّ عجزٍ رسمي عربي. ثم جاءت ثورتا تونس ومصر لتشعلا الأمل بمستقبلٍ عربيٍّ أفضل، من حيث أسلوب التغيير الذي جرى في هذين البلدين وسلمية التحرك الشعبي والبعد الوطني التوحيدي فيهما. وهاهي الأمَّة العربية تشهد الآن سقوطاً لحكم العقيد القذافي، الذي استمرّ لأربعة عقودٍ سادها الظلم والظلام والاستبداد، ولم يحدث خلالها أي بناءٍ جاد لمؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية. فالمؤسسة العسكرية في كلٍّ من مصر وتونس لعبت دوراً هاماً في إجبار بن علي ومبارك على الاستقالة، كما أنّ دورها الأساس كان، وما زال، هو في حفظ الأمن والاستقرار خلال هذه المرحلة الانتقالية. فما نجح من أسلوبٍ وأهداف في تجربتيْ مصر وتونس لم يُكتَب له بعدُ النجاح في أمكنةٍ عربية أخرى. فالظروف مختلفة، كما هي أيضاً القوى الفاعلة في مصير هذه البلدان الأخرى.

الانتفاضات الشعبية العربية لم تنتظر نضوج الأمور الداخلية في مصر حتّى تبدأ حركتها، وكذلك فعلت القوى الإقليمية والدولية، والتي سبقت أصلاً هذه الانتفاضات بوضع مشاريع وخطط تضمن مصالحها في المنطقة العربية كيفما جاء اتجاه رياح التغيير فيها.

آمال العرب هي على مصر وعلى التكامل معها، لأنّ مصر هي القوّة العربية الأساس في كلّ مواجهة خاضتها الأمَّة العربية على مرِّ التاريخ، ولأنّ المنطقة خضعت دوماً لتأثيرات الدور المصري، إيجاباً كان هذا الدور أم سلباً. لكن التاريخ يؤكّد أيضاً أنّ أمن مصر هو من أمن العرب، وأنّ استقرارها وتقدّمها مرهونان أيضاً بما يحدث في جوارها العربي.

 

23-8-2011


 

=====================================================================

خطايا يكرّرها العرب والغرب معاً

 

طبعاً التاريخ لا يكرّر نفسه. فهناك دائماً ظروف وعناصر جديدة ومتغيّرات تحدث. لكن البشر، كأفرادٍ وجماعات، يكرّرون في سيرة حياتهم الأخطاء ويتجاهلون الدروس والعبر من تجاربهم. هكذا هو الآن حال العرب والغرب معاً. فالبلاد العربية تشهد حالياً مرحلة تحوّل تاريخي ستصنع مستقبل هذه البلاد لعقودٍ من الزمن، تماماً كما حدث منذ مائة عام تقريباً حينما شهدت المنطقة العربية تحوّلاً هاماً بخروجها من الهيمنة العثمانية ونشوء الكيانات العربية المعاصرة.

في تلك الفترة، كانت هناك دواعٍ وأسباب مشروعة لاستقلال العرب عن الدولة العثمانية، التي سيطرت عليها في أيامها الأخيرة اتجاهاتٌ عنصرية تدعو إلى "التتريك" في اللغة والثقافة والسياسة، والتي كانت بذورها تنمو في "جمعية الاتحاد والترقي" وفي "جمعية تركيا الفتاة"، ثم تمكُّن هذه الاتجاهات من حكم تركيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وفوز "دول الحلفاء" فيها.

وبينما كانت بريطانيا تدعم بقوة هذا التحوّل في الحياة السياسية والثقافية التركية، كانت حليفتها (ومنافستها) فرنسا تدعم الأنشطة العربية الداعية لمواجهة "التتريك". وقد عملت بريطانيا وفرنسا معاً على تشجيع ودعم الانفصال التركي/العربي وتقوية المشاعر القومية الخاصة في الأمَّتين بدايةً، وعملتا في مرحلةٍ لاحقة على دعم التتريك واعتماد الأحرف اللاتينية في تركيا، مقابل دعم "التغريب" ومحاربة العروبة في البلاد العربية.

كانت بريطانيا قوّة الدفع الأساسية وراء ثورة الشريف حسين ضدَّ الدولة العثمانية، كما احتضنت فرنسا ودعمت "الجمعية العربية الفتاة " و"المؤتمر العربي" في باريس (1913)، وتكوّنت جمعيات في بيروت تعاونت مع جمعيات في المهجر، وقُدِّمت رسائل مشتركة من بعض هذه الجمعيات الى حكومة فرنسا تلتمس منها السيطرة على منطقة سوريا ولبنان، بينما اتّجه بعض مثقفي العراق نحو الإنجليز حيث أيّد بعضهم بسط الحماية البريطانية على البلاد.

وانتهت تلك الحقبة الزمنية الهامّة بهيمنة بريطانيا وفرنسا على معظم البلاد العربية، بعد تقسيمها وتوزيعها بين القطبين الدوليين آنذاك وفق اتفاقية "سايكس- بيكو". كما شهدت تلك المرحلة انطلاقة مشروع الحركة الصهيونية الذي كرّسه التعهّد البريطاني المعروف باسم "وعد بلفور"، والذي تحقّق بإنشاء الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني.

بريطانيا وفرنسا غاب عنهما درس تاريخ البشرية عموماً بأنّ الشعوب يمكن تضليلها أو قهرها أو احتلالها لفترة من الوقت، لكن هذه الشعوب لا يمكن أن تقبل بديلاً عن حرّيتها، وبأنّ الأوطان العربية لو تجزّأت سياسياً فهي موحّدة في ثقافتها وفي تاريخها وفي همومها وفي آمالها. فهكذا كان تاريخ المنطقة العربية طيلة القرن الماضي: كرٌّ وفرّ مع المستعمر أو المحتل لكن لا خضوع له. كما كان القرن الماضي حافلاً بالحركات والانتفاضات الشعبية المؤكّدة على وحدة الأمَّة أرضاً وشعباً، وإن ازدادت المسافات بين الحكومات والكيانات بعداً.

وحينما تولّت الولايات المتحدة قيادة الغرب والقوى الكبرى، كرّرت خطايا المستعمر الأوروبي في أكثر من مكانٍ وزمان، وهي الآن تدفع الثمن غالياً لهذه الخطايا مما يُهدّد دورها الريادي العالمي، تماماً كما حصل مع بريطانيا وفرنسا في آخر حروبهما بالمنطقة، خلال حقبتيْ الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والتي كانت مصر فيها تقود معارك التحرّر الوطني من المستعمر الأجنبي.

فالقوى الغربية الكبرى لم تدرك بعد أنّها رغم تجزئة المنطقة العربية والهيمنة عليها، ورغم وجود دولة إسرائيل الحاجز بين مشرق العرب ومغربهم، ورغم "العلاقات الخاصة" مع بعض الحكومات، حصلت في المنطقة معارك التحرّر الوطني وثورات الاستقلال وحركات المقاومة ومحاولات التوحّد بين بعض الأوطان، كما حصلت حرب أكتوبر 1973 والحظر النفطي عن الغرب.

لكن للأسف، فكما أنّ الغرب لم يتعلّم من تجارب (قابلية الإستعمار للانكسار)، فإنّ العرب، في المقابل، لم يتعلّموا أيضاً من (قابلية ظروفهم للإستعمار). فالمنطقة العربية (وأنظمتها تحديداً) لم تستفد من دروس مخاطر فصل حرّية الوطن عن حرّية المواطن. لم تستفد المنطقة أيضاً من دروس التجارب المرّة في المراهنة على الخارج لحلِّ مشاكل عربية داخلية. والأهمُّ في كلّ دروس تجارب العرب الماضية، والتي يتمّ الآن تجاهلها أيضاً، هو درس مخاطر الحروب الأهلية والانقسامات الشعبية على أسسٍ دينية أو إثنية، حيث تكون هذه الانقسامات دعوةً مفتوحة للتدخّل الأجنبي ولعودة الهيمنة الخارجية من جديد.

إنّ المنطقة العربية تتميّز عن غيرها من بقاع العالم بميزاتٍ ثلاث مجتمعةٍ معاً: فأولاً، تتميّز أرض العرب بأنّها أرض الرسالات السماوية؛ فيها ظهر الرسل والأنبياء، وإليها يتطلّع كلّ المؤمنين بالله على مرّ التاريخ، وإلى مدنها المقدّسة يحجّ سنوياً جميع أتباع الرسالات السماوية من يهود ومسيحيين ومسلمين.

وثانياً، تحتلّ أرض العرب موقعاً جغرافياً هامّاً، جعلها في العصور كلّها صلة الوصل ما بين الشرق والغرب، ما بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وبين حوض المتوسّط وأبواب المحيطات. ومن هذا الموقع الجغرافي الهام خرجت أو مرَّت كلّ حضارات العالم سواء القديم منه أو الحديث.

وثالثاً، تمتلك أرض العرب خيراتٍ طبيعية اختلفت باختلاف مراحل التاريخ، لكنّها كانت دائماً مصدراً للحياة والطاقة في العالم. فهكذا كان الحال منذ أيام الإمبراطورية الرومانية التي كانت خزائن قمحها تعتمد على الشرق العربي وصولاً اليوم إلى عصر "البترو - دولار" القائم على مخازن النفط في أرضنا.

وهذه الميزات الإيجابية جعلت المنطقة العربية دائماً محطّ أنظار كلّ القوى الطامعة في السيطرة والتسلّط..

أيضاً، تتميّز المنطقة العربية، في تاريخها المعاصر، عن باقي دول العالم الثالث، أنّ الدول الكبرى، الإقليمية والدولية، تتعامل مع هذه المنطقة كوحدةٍ متكاملة مستهدَفة وفي إطار خطّة استراتيجية واحدة لكلّ أجزاء المنطقة، بينما تعيش شعوب المنطقة في أكثر من عشرين دولة وفق الترتيبات الدولية الي وضعتها في مطلع القرن العشرين القوى الأوروبية الكبرى.

ولقد أدّى هذا الواقع الانقسامي، وما يزال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادّية والبشرية) وإلى صعوبة تأمين مشروع عربي فاعل يواجه المشاريع والتحدّيات الخارجية أو يمكّن من القيام بدورٍ إقليمي مؤثّر تجاه الأزمات المحلية، بل أدّى أيضاً لوجود عجزٍ أمني ذاتي في مواجهة ما يطرأ من أزماتٍ وصراعات داخل المنطقة، ممّا يبرّر بنظر البعض الاستعانة بقوًى أمنية خارجية قادرة على حلّ هذه الصراعات ..

فهناك على الطرف العربي غيابٌ للقرار السياسي بالتعاون والتكامل؛ ثمّ إذا ما توفّر هذا القرار عابَهُ سوء الأسلوب في الإدارة والتعامل والخطط التنفيذية، كما حصل في تجارب وحدوية عربية عديدة أدّت نتائجها إلى مزيدٍ من الشرخ بدلاً من الاتحاد.

إنّ سلبيّات الواقع العربي الراهن لا تنحصر فقط بالمخاطر الناجمة عن عدم إدراك العرب دروس تاريخهم وأهمية موقع أوطانهم وثرواتها، بل أيضاً في سوء رؤية أصحاب الأرض العربية لأنفسهم ولهويّتهم ولكيفية إصلاح أوضاعهم السياسية والاجتماعية.

وتنذر تداعيات العنف الداخلي المسلّح، المرافق الآن لانتفاضاتٍ شعبية في بعض البلدان العربية، بالتحوّل إلى حروبٍ أهلية عربية يكون ختامها نجاح المشروع الإسرائيلي حصراً، حتّى على حساب المشاريع الدولية والإقليمية الأخرى الراهنة للمنطقة.

طبعاً، الجميع الآن بانتظار ما ستسفر عنه هذه المرحلة من متغيّراتٍ سياسية جذرية في المجتمعات العربية، لا في الحكومات والأشخاص فقط، لكن من المحتّم أنّ القوى الدولية والإقليمية الفاعلة ليست جالسةً مكتوفة الأيدي ومكتفيةً بحال الانتظار. هي تعمل بدون شك على تهيئة نفسها لنتائج هذه المتغيّرات، بل هي تحاول الآن استثمارها أو حرفها أو محاصرتها أو التحرّك المضاد لها.. وهي كلّها حالاتٌ قائمة مرتبطة بمكان هذه المتغيّرات وظروفها.

فإذا كانت الآن الثورات والانتفاضات العربية ظواهرَ مشرقة واعدة بغدٍ أفضل، فلا يجب أن يحجب النور الحاصل من هذه "المتغيرات" ما يستمرّ "ثابتاً" في المنطقة من خطر الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات الهيمنة الأجنبية، في ظلّ أجواء طائفية ومذهبية تنخر الجسم العربي وتهدّد وحدة أوطانه وتُسهّل السيطرة الخارجية عليه.

 

 

18-8-2011

 


 

=====================================================================

أحلامٌ في مواجهة كوابيسَ واقعة

انقاذ سوريا مسؤولية الحكم والمعارضة معاً

 

تواجه سوريا اليوم احتمالاتٍ خطيرة نتيجة استمرار المسيرات الشعبية في عدّة مناطق ومواجهة النظام لها بعنفٍ عسكريٍّ شديد، لا يميّز بين قلّةٍ من المندَسّين وكثرةٍ من المواطنين العُزَّل الذين يصرّون على التّظاهر.

فسوريا تحتاج الآن إلى قراراتٍ شجاعة وحاسمة، من الحكم ومن قوى المعارضة معاً، لمنع انزلاق سوريا إلى حالٍ من الفوضى السياسية والأمنية، وإلى ما قد يكون مقدّمةً لحربٍ أهلية تُهدّد وحدة الكيان السوري ووحدة الشعب السوري، بل وتُنذر بمخاطر التقسيم والتدويل لعموم بلدان منطقة المشرق العربي.

سوريا تحتاج الآن من قيادتها وتحديداً من الرئيس بشار الأسد إلى إصدار مرسوم استثنائي، يُقَرّ فوراً في مجلس الشعب الحالي، يُلغي المادة الثامنة من الدستور التي تمنح حزب البعث خصوصية القيادة في الحكم، وأن يستتبع ذلك حلّ مجلس الشعب وإجراء انتخاباتٍ نيابية حرّة خلال مدّة شهرين لينبثق عنها بعد ذلك حكومةٌ وطنية جامعة.

سوريا تحتاج الآن إلى مهلةٍ زمنية محدّدة يتوقّف فيها العنف والتظاهر والاعتقالات، ولكن يكون فيها الاصرار على الحريات العامة وعلى حقّ وجود الرأي الآخر وحقّ حرّية التفكير والتعبير عبر وسائل متنوّعة غير الشارع.

فصحيحٌ أنَّ هناك من يتآمر على سوريا الآن، ومن يريد الضغط على قيادتها من أجل قضايا إقليمية لا علاقة لها بالإصلاح والديمقراطية، لكن من المهمّ أيضاً وضع حدٍّ لكلّ الأعذار والحجج التي يستند إليها الخارج الأجنبي من أجل الضغط والتدخّل، وبأن يتمّ تصحيح التوازن المنشود بين الإجراءات الأمنية التي تسير بسرعة الصاروخ وبين التباطؤ السلحفاتي الحاصل في تطبيق الإصلاحات الدستورية والسياسية.

وصحيحٌ أنّ هناك أسلحة تُهرَّب من لبنان إلى سوريا وأنّ هناك جماعاتٍ تريد إحداث الفتنة الطائفية المسلّحة في أرجاء الوطن السوري، لكن الردّ الحكومي السوري على هذا الأمر أخذ الكلَّ بجريرة البعض ولم يميّز بين أبرياء وعملاء فاستخدم العنف الشديد، الذي كان وما يزال يُولّد مزيداً من التظاهر ومن الاستنكار إضافةً لإعطاء الفرص لمزيدٍ من "أعمال التخريب والإرهاب" ومن التدخّل الأجنبي المشبوه.

فالمطلوب من الحكم في سوريا هو نفسه المطلوب من قوى المعارضة: عدم رؤية الأمور بعيْنٍ واحدة فقط. فما يراه الحكم الآن من تآمرٍ على سوريا لا يجب أن يحجب الحاجة إلى إصلاحاتٍ دستورية وسياسية جذرية وفورية. كذلك هو واجب قوى المعارضة أن تتنبّه إلى ما تتعرّض له من محاولات توظيف واستغلال من أطراف دولية وإقليمية ولصالح غاياتٍ ومشاريع تخدم هذه الأطراف لا المصالح السورية. فقوى المعارضة ترى الآن الأمور بعينٍ واحدة هي مواجهة النظام، ولا تريد أن ترى ما يحدث من محاولاتٍ أجنبية لتوظيف هذه المعارضة لصالح أجنداتٍ خاصّة بأصحابها. فهذا ما يحدث الآن في ليبيا، وما حدث في السابق مع المعارضات العراقية والسودانية واللبنانية، وما نتج عن هذه التجارب من مخاطر تقسيمية وتدويلية وهيمنة أجنبية.

على قوى المعارضة السورية أن تكون واضحةً في قياداتها وفي برنامجها لا في أساليبها فقط، وأن تدرك أنّ شعار "إسقاط النظام" يعني الآن دعوةً مفتوحة لمزيدٍ من سفك الدماء ولاستخدام العنف ولتهديد الوحدة الوطنية السورية. فالبرنامج الإصلاحي الشامل هو المطلوب وهو الأساس وهو المعيار، كائناً من كان في الحكم. فإذا كانت قوى المعارضة تعجز حالياً عن الاتفاق على قيادةٍ واحدة وعلى برنامجٍ سياسيٍّ مشترَك، واضحةٌ فيه المطالب الإصلاحية الدستورية، ومؤكَّدةٌ فيه هُويّة سوريا العربية ودورها الهام في قضايا المنطقة، فكيف لها أن تنجح في الحكم إن وصلت إليه؟ وهل ستتصارع آنذاك فيما بينها حول تفاصيل البرامج وهُويّة سوريا وسياستها الخارجية؟!

وللأسف، فإنّ أيّة نصيحةٍ تُقال الآن لبعض قوى المعارضة السورية يتمّ وضعها في "خانة خدمة النظام السوري"، وهذا في حدِّ ذاته يحمل مخاوف من طبيعة التوجّهات السياسية الفئوية لهذه القوى ورفضها للرأي الآخر، بينما هي ترفع الصوت عالياً عن الحاجة للديمقراطية. فلا يجوز أن يقبل العرب الآن بما يُمكن تسميته ب"الإرهاب الفكري الثوري العربي" بعد عقودٍ من إرهاب الحكومات. ولا يجوز أيضاً أن يقبل العرب ما يحدث حالياً من "تحريم وتحليل" سياسي ما كان ممكناً قبوله منذ أشهر قليلة. فطلب التدخّل الأجنبي أصبح حلالاً ومشروعاً في أكثر من بلدٍ عربي لحلّ مشاكل عربية داخلية. والتنبيه إلى ما هو حاصلٌ من تآمرٍ أجنبي وإسرائيلي على أوطان العرب وثرواتهم ووحدة بلدانهم وشعوبهم أصبح لدى بعض "الثوار العرب" من المحرّمات السياسية! وحينما نسأل ويسأل غيرنا من يقود هذه الثورات؟ تكون الإجابة هو الشارع و"الشباب" دون اسمٍ أو عنوانٍ أو برنامجٍ فكريٍّ أو سياسي!. إذن، إلى أيِّ منقلَبٍ نحن منقلبون وكيف يتمّ أخذ هذه الأوطان إلى مصيرٍ مجهول، منطلقه غير معروف وأرضه مليئةٌ بألغام الانقسامات الطائفية والإثنية؟!.

أليس محزناً أنِ انتقل تاريخ العرب من الحالة القبلية والجاهلية إلى حالةٍ حضارية عند مجئ الدعوة الإسلامية، ولمَّا تتغيّر بعدُ مفاهيم العرب وممارساتهم حول انتقال السلطات عموماً؟ فالتاريخ العربي عاش حصراً عصراً استثنائياً بعد وفاة الرسول محمد (ص)، خلال حقبة الخلفاء الراشدين الأربعة، حينما جرى اختيار الحاكم بالبيعة وليس بالقوّة أو بالوراثة، علماً أنّ ثلاثةً من الخلفاء قد قضوا نحبهم قتلاً!!. وهاهو التاريخ العربي يتواصل قائماً منذ بدء الدولة الأموية على حكم الوراثة إلى حين مجئ حكمٍ آخر عن طريق القوّة العسكرية.  

أليس مؤسفاً أنّ الحلم العربي الذي يُراود منذ عقود شعوب الأمَّة العربية بإقامة تكاملٍ بين أوطان العرب قد تحوّل إلى كابوس التقسيم الجاثم على الصدور حالياً؟!

أليس مؤسفاً أيضاً، أن يكرّر العرب خطيئة الاعتماد على الأجنبي لحلّ مشاكلهم الداخلية وأن تسود الآن منطقتهم أفضل الفرص لتكريس الهيمنة الأجنبية والإسرائيلية، حيث يُتوقَّع ألا يكون بمقدور أحدٍ أن يُعارض دعوة إسرائيل للاعتراف بها كدولةٍ يهودية، في منطقةٍ تشهد ولادة دويلاتٍ على أساسٍ ديني وإثني؟! وحيث تهدف إسرائيل لأن تكون هي الدولة الأقوى بل المهيمنة على كلّ منطقة الدويلات الدينية المنتظرَة!.

إنّ الحكومات العربية مسؤولةٌ أولاً وأخيراً عمّا وصلنا إليه الآن من حال، لكنَّ ذلك لا يشفع لقوى المعارضة العربية أن لا تقوم هي أيضاً بمسؤولياتها في الحفاظ على وحدة الأوطان والشعوب، بل إنّ هذه القوى هي الطرف الأساس المعنيُّ بذلك.

إنّ الأولوية الآن هي لبقاء وحدة الأوطان، ولعدم قلب خيار الحكومات (إمّا الحاكم أو الفوضى) إلى خيار المعارضات (إمّا الديمقراطية أو التقسيم). فأين "أمُّ الصبي" في كل ما يحدث، ولِمَ لا يكون التركيز الآن على تحقيق إصلاحاتٍ جدّية دستورية وسياسية واقتصادية تُمهّد لتغييرٍ شامل في المجتمعات لا في الأنظمة والحكومات فحسب؟ فبناء المجتمعات الديمقراطية أساسه التعايش مع "الآخر" لا الانفصال عمَّن هم أبناء الوطن نفسه لكن من طوائف أو مذاهب أو إثنيات أخرى. وهذا البناء الديمقراطي السليم يتطلّب أيضاً بناء حركات تغييرٍ شعبية، واضحة المعالم والبرامج والقيادات، حتّى لا تتوه الأمَّة من جديد وحتّى لا تتكرّر فيها مأساة حركات التغيير العسكرية والسياسية التي شهدها العرب في القرن العشرين.

وكما رفضت الأمَّة العربية سابقاً "ثنائيات" كثيرة فُرِضت عليها، مثل: إمّا أن تكون مع الشرق الشيوعي أو الغرب الرأسمالي، فإنّها ترفض الآن "ثنائية" إمّا مع التحرّر من هيمنة الأجنبي أو مع الديمقراطية. فالأمَّة العربية بحاجةٍ الآن إلى تيَّار ثالثٍ واعٍ علّمته دروس التجارب المُرّة أن يرفض استبداد الأنظمة، وأن يرفض أيضاً كلَّ محاولات الهيمنة الأجنبية ومشاريع التدويل والتقسيم للأوطان والشعوب، وأن يُحافظ مخلصاً على هُويّة الأوطان العربية، وأن لا يجعل ثمن الحصول على ديمقراطية الحكم التخلّي عن حرّية الوطن.

 

10-8-2011


 

=====================================================================

أيُّ فكرٍ وأيّةُ ديمقراطية

تختلف حولهما التيّارات الدينية والعلمانية العربية

 

تشهد المنطقة العربية، منذ بدء تفجّر الانتفاضات الشعبية في مطلع هذا العام، حراكاً فكرياً مرادفاً للحراك الشعبي في الشارع، يتمحور حول دور الدين والحركات الدينية في المجتمعات والدساتير ومؤسّسات الدولة. ولعلَّ ما يحدث الآن في مصر وتونس من تباينات بين أتباع الحركات الدينية والحركات العلمانية لدليلٌ على هذه الحيوية الفكرية في أوطانٍ تحاول بعد خلع حكّامها السابقين بناء ذاتها. لكن النقطة المركزية التي يتمحور الاهتمام السياسي والإعلامي العربي الآن حولها، هي مسألة الديمقراطية كعملية إجرائية ترتبط بآليات انتخابية أو بمؤسسات دستورية، دون الانتباه إلى أنّ أساس العطب في الجسم العربي هو في الفكر أولاً وقبل أن يكون في طبائع نظم الحكم أو كيفيّة المشاركة الشعبية في الحياة العامّة.

والحديث عن الفكر لا يعني فقط النُّخَب المثقفة في المجتمع، بل هو شاملٌ لما يسود الأمَّة من تراث فكري ومعتقدات وعادات وتقاليد ومفاهيم لأمور الدين والدنيا، شكّلت بمجملها الواقع الثقافي العربي الراهن.

فهناك انقسامٌ في المجتمعات العربية والإسلامية بين تيّارين أو منهجين فكريين؛ أحدهما يدعو لمقولة "العلمانية"، والآخر إلى الأخذ بالمنهج "الإسلامي". وكلٌّ من أصحاب المدرستين يحاول الربط بين منهجه وبين سمات إيجابية أخرى حدثت أو تحدث في المجتمع، بينما لا علاقة لها في الأصل بالمنهج الفكري نفسه. فالتيّار "العلماني" يعتبر معارك التحرّر القومي ضدّ الاستعمار في القرن العشرين، وكذلك معارك العدالة الاجتماعية، وكأنّها منجزات للتيّار الفكري العلماني، بينما نجد على الطرف الآخر من يعتبر مثلاً ظاهرة المقاومة حالياً بمثابة انتصار للمنهج الفكري الإسلامي.

أعتقد أنّ في الحالتين ظلماً للحقيقة. فقضايا التحرّر والهُويّة القومية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتلال ومحاربة الظلم، أينما كان وكيفما كان، هي كلّها قضايا إنسانية عامّة لا ترتبط بمنهج فكري محدّد. فلا الدين يتعارض مع هذه القضايا ولا الابتعاد عنه يعني تخلّياً عنها. وهناك أمثلة عديدة عن مجتمعات كافحت من أجل هذه القضايا لكن اختلفت دوافعها الفكرية ونظرتها لدور الدين في الحياة.

إذن، أساس الخلاف بين التيّارين "العلماني" و"الإسلامي" هو فكريٌّ محض ولا يجوز إلحاق القضايا السياسية بطبيعة هذا الخلاف. فالهُويّة الوطنية أو القومية مثلاً أصبحت ضحيّةً لهذا الخلاف بين التيّارين في المنطقة العربية بينما لا تتناقض إطلاقاً الهُوية الثقافية للشعوب مع معتقداتها الدينية. كذلك هو أسلوب المقاومة ضدّ المحتل أو المستعمر حيث هو وسيلة تحرّر استخدمتها في أممٍ عديدة قوًى مختلفة الألوان والمناهج الفكرية.

إنّ العكس هو المفروض أن يحدث بين التيّارين "الإسلامي" و"العلماني"، أي أن يبقى الاختلاف قائماً في المسألة الفكرية وأن يتمّ البحث عن المشترَك من القضايا الوطنية والاجتماعية. فالاحتلال الإسرائيلي مثلاً لم يميّز، وما يزال، بين التيّارين في الأراضي المحتلة، إذ المستهدَف هو الفلسطيني إن كان من هذا الدين أو ذاك، أو إن كان "علمانياً" أو "إسلامياً". الأمر نفسه ينطبق على القضايا الاجتماعية حيث لا ديناً أو لوناً فكرياً للفقر أو للظلم الاجتماعي.

أمّا الاختلاف على الجانب الفكري، فهو ظاهرة صحيّة إذا حصلت في مجتمعاتٍ تصون التعدّدية الفكرية والسياسية وتسمح بالتداول السلمي للسلطة وباحترام وجود ودور "الرأي الآخر". وهي مواصفات وشروط لمجتمعات تعتمد الحياة السياسية الديمقراطية، وتكون مرجعيتها هي القوانين والدساتير المجمَع بين كلّ الأطراف على الالتزام بها. فلا ينقلب طرَفٌ على الآخرين وحقوقهم أو على الدستور ذاته لمجرّد الوصول إلى الحكم. هكذا هو حال التجربة التركية الآن، كما هي ظاهرة الأحزاب الدينية في المجتمعات الأوروبية العلمانية، حيث يتمّ تداول السلطة عن طريق الانتخاب بغضِّ النّظر عن طبيعة الأحزاب السياسية وهويّاتها الدينية أو العلمانية.

 

لقد ظهرت في القرن العشرين الأنظمة العلمانية اللادينية، وهي التي ارتبطت بالفلسفة الماركسية - اللينينية والتي اعتبرت أنّ "الدين هو أفيون الشعوب"، وكانت ذات سمةٍ ديكتاتورية في الحكم وفاصلة للدين عن المجتمع (وليس عن الدولة فقط). بينما نجد أنّ التجربة العلمانية الغربية، الفاصلة للدين عن الدولة وغير الرافضة للدين المسيحي، ارتبطت بأنظمة حكم ذات نمطٍ ديمقراطي في الداخل وتوجّهٍ استعماري للشعوب الأخرى، وعلى أساس مصالح اقتصادية فرضتها الثورة الصناعية في أوروبا وحاجتها لأسواق ولمصادر خام.. وهكذا كانت العلمانية موضع رفضٍ وإدانة في المجتمعات العربية والإسلامية بحكم ما كان سائداً لها من "نماذج" في المعسكرين الشيوعي والرأسمالي.

إذن، ليس هناك نموذج تطبيقي واحد لمصطلح "العلمانية"، بل حتّى في الدائرة الغربية الديمقراطية نجد اختلافاً في المفهوم وفي التطبيق بين العلمانية الأوروبية والعلمانية الأميركية. "العلمانية الأميركية" لا تفصل الدين عن الدولة كلّياً، كما هو الحال مثلاً في فرنسا وتجارب أوروبية أخرى، العلمانية الأميركية تشجّع على الإيمان الديني ولا تحاربه، وتقوم المؤسسات الحكومية بدعم المراكز والمؤسسات الدينية (وبعضها إسلامي) وتتمّ الصلاة في مؤسسات حكومية وتشريعية بشكلٍ مشابه تماماً لما يحصل في كثيرٍ من البلدان العربية والإسلامية. وحقوق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية (بما في ذلك مسائل الشكل واللباس) هي مصونةٌ بحكم القانون الأميركي. وهذا أمرٌ لا توفّره مثلاً التجربة العلمانية الفرنسية أو حتّى التركية.

فالعلمانية، في التجربة الأميركية، هي لضمان حقوق كلّ الطوائف والأديان ولمنع هيمنة إحداها على الأخرى، بينما تمّ استخدام العلمانية في تجارب عالمية أخرى للحدِّ من دور رجال الدين في المجتمع، كما في التجارب الأوروبية، أو للحدِّ من دور الدين عموماً في حياة الناس، كما كانت عليه التجارب الشيوعية. بالمحصّلة، ليس هناك "علمانية عالمية واحدة" لقبولها أو رفضها. فالعلمانية أيضاً أصبحت مدارس مختلفة.

لذلك، هناك حاجةٌ للتوافق المبدئي بين مختلف الاتجاهات الفكرية العربية على ضرورة الفرز والتمييز بين الجماعات التي تعمل تحت لواء أيَّة نظرية فكرية. فليس هناك مفهومٌ واحد لهذه النظريات حتّى داخل المعتقدين بها بشكل عام، ثم ليس هناك برنامج سياسي أو تطبيقي واحد حتّى بين الجماعات والحركات التي تتّفق على مفهوم واحد. هذا الأمر ينطبق على الجماعات "العلمانية" و"الإسلامية" كما على أتباع النظريات الشيوعية والرأسمالية، وعلى "المحافظين" والليبراليين" في العالم كلّه. كذلك صحّت هذه الخلاصة على التجارب القومية العربية، ومنها "الناصرية" و"البعث" وغيرهما، حيث غابت عن هذه التجارب وحدة المفاهيم الفكرية والحركية.

إذن، الموضوعية تفرض عدم وضع الجماعات الإسلامية كلّها في سلّةٍ واحدة (فكراً وممارسة)، كذلك بالنسبة للقوى العلمانية.. وبالتالي عدم استخدام التعميم في التعامل مع أيَّة حالة.

ففي التيَّار الديني الإسلامي اتجاهاتٌ تؤكّد على خصوصية العلاقة بين العروبة والإسلام، وعلى الانسجام بين الديمقراطية والفكر الإسلامي، وعلى رفض استخدام العنف في الدعوة ووسائل التغيير، بل تحرِّم استخدام العنف في ذلك. وهي قوًى تريد تغيير المجتمع أولاً، بينما تريد "قوًى إسلامية" أخرى الوصول إلى السلطة أولاً، أو تحبذ استخدام العنف، أو ترى تناقضاً بين الدين والديمقراطية.

كذلك من الضروري أيضاً التفريق بين دعاة العلمانية وعدم وضعهم جميعاً في خانةٍ واحدة، فهناك علمانيون يؤكّدون على دور الدين في المجتمع ويدعون للمجتمع المدني ولحقوق المواطنة للجميع دون ابتعادٍ عن القيم الدينية.

***

إنّ الإسلام، حسب اجتهادي، هو "دين وضوابط مجتمع"، ولا يجب الفصل بين الدين والمجتمع، لكن يتوجّب الفصل بين الدين ومؤسسات الدولة، إذ المعروف أنَّ أساليب الحكم ومفاهيم الدولة قد اختلفت إسلامياً من حقبةٍ لأخرى، حتّى في سياقها التاريخي، منذ بدء الدعوة ثم في فترة الخلفاء الراشدين، ثمّ ما جرى بعد ذلك من حكمٍ عائلي متوارث تحت مظلّة "الخلافة الإسلامية" وصراعات بين حقبة وأخرى، واختلاف في المفاهيم وصيغ الحكم ومرجعياته.

إنّ المنطقة العربية هي مهد كلّ الرسالات السماوية والأنبياء ومواقع الحجّ الديني، وبالتّالي فإن تغييب أو تهميش دور الدين فيها هو مسألة مستحيلة عملياً. أيضاً، فإنّ العلمانية وحدها ليست هي الحل لمشاكل المجتمع العربي. ولقد شهدت بعض البلاد العربية والإسلامية تجارب لأنظمة حكم علمانية، لكن بمعزل عن الديمقراطية السياسية في الحكم، وعن العدالة في المجتمع، فلم تفلح هذه التجارب في حلّ مشاكل دولها ولم تحلّ مشكلة غياب الديمقراطية.. ولم تحلّ مشكلة الأقليّات.. ولم تحلّ المشاكل الاقتصادية.. ولم تحلّ مشكلة الحكم بالوراثة أو بالقوّة العسكرية.. ولم تحقّق التقدّم والعدالة الاجتماعية لشعوبها.

إنّ المجتمع العربي بحاجةٍ إلى إصلاحات فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية.. وهذه الإصلاحات لا تتناقض مع القيم الدينية ولا تتعارض مع المفاهيم الإنسانية المعاصرة، وفي ذلك مسؤولية مشتركة لقوى "علمانية" و"دينية" تختلف فكرياً لكنّها قد تشترك في برنامجٍ نهضويٍّ جديد تحتاجه الأمَّة العربية كلّها.

1-8-2011

 

 

=====================================================================
حملةٌ ضدَّ "الهُويّة العربية".. فما هو بديلها؟!

لم يكن القصد البريطاني والفرنسي من رسم الحدود بين أجزاء الأرض العربية مجرّد توزيع غنائم بين الإمبراطوريتين الأوروبيتين في مطلع القرن الماضي، بدلالة أنّ البلدان العربية التي خضعت لهيمنة أيٍّ منهما تعرّضت هي نفسها للتجزئة، فالهدف الأول من تلك التجزئة كان إحلال هويّاتٍ محلّية بديلاً عن الهويّة العربية المشتركة، وإضعافاً لكلّ جزء بانقسامه عن الجزء العربي الآخر.

ورافقت هذه الحقبة الزمنية من النصف الأول من القرن العشرين، محاولات فرض التغريب الثقافي بأشكال مختلفة على عموم البلدان العربية، والسعي لزرع التناقضات بين الهويات الوطنية المستحدثة وبين الهويات الأصيلة فيها كالعروبة الثقافية والإسلام الحضاري، ثم أيضاً بين العروبة والدين في أطر الصراعات الفكرية والسياسية.

وقد تميّزت الحقبة الزمنية اللاحقة، أي النصف الثاني من القرن العشرين، بطروحات فكرية وبحركات سياسية يغذّي بعضها أحياناً المفاهيم الخاطئة عن الوطنية والعروبة والدين، أو لا تجد في فكرها الآحادي الجانب أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة العربية. فهويّة الأمّة العربية هي مزيج مركّب من هويّات (قانونية وطنية) و(ثقافية عربية) و(حضارية دينية). وهذا واقع حال ملزِم لكل أبناء البلدان العربية حتى لو رفضوا فكرياً الانتماء لكلّ هذه الهويّات أو بعضها.

الآن نجد على امتداد الأرض العربية محاولات مختلفة الأوجه، ومتعدّدة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهوية العربية ولجعلها حالة متناقضة مع التنوع الإثني والديني الذي تقوم عليه الأرض العربية منذ قرون عديدة.

وأصبح الحديث عن مشكلة "الأقليات" مرتبطاً بالفهم الخاطئ للهويتين الوطنية والعربية وبأنّ الحلّ لهذه المشكلة يقتضي "حلولاً" انفصالية كالتي حدثت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وكالتي يتمّ الآن الحديث عنها لمستقبل عدّة بلدان عربية. وهذا الأمر هو أشبه بمن يعاني من مرضٍ في المعدة فتُجرَى له عملية جراحية في الرأس!!. إذ أساس مشكلة غياب "حقوق بعض الأقليات" هو الوضع الدستوري وليس قضية "الهويّة". ففي الولايات المتحدة نجد اعتزازاً كبيراً لدى عموم الأميركيين بهويتهم الوطنية الأميركية (وهي هُوية حديثة تاريخياً) رغم التباين الحاصل في المجتمع الأميركي بين فئاته المتعدّدة القائمة على أصول عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة. فمشكلة الأقليات موجودة في أميركا لكنّها تُعالج بأطر دستورية وبتطويرٍ للدستور الأميركي، كما حدث أكثر من مرّة في مسائل تخصّ مشاكل الأقليات، ولم يكن "الحل الأميركي" لمشاكل أميركا بالتخلّي عن الهوية الأميركية المشتركة ولا أيضاً بقبول النزعات الانفصالية أو تفتيت "الولايات المتحدة". عجباً، كيف تُمارس الإدارات الأميركية نهجاً متناقضاً في المنطقة العربية وكيف تُشجّع على تقسيم الشعوب والأوطان وعلى إضعاف الهوية العربية عموماً!!  كما أستغرب فعلاً أن تكون بعض الأصوات العربية المقيمة في أميركا والغرب، في إطار المفكرين أو الناشطين حالياً مع معارضات عربية، تُساهم في هذه الحملة المقصودة ضدّ الهوية العربية أو تؤيد الآن حركات الانفصال والتقسيم لأوطان عربية، وهي تُدرك ما أشرت إليه عن خلاصات التجربة الدستورية الأميركية وتجارب دستورية أوروبية مشابهة.

أيضاً، نجد في داخل بعض الأوطان العربية أنّ ضعف الولاء الوطني لدى بعض الناس يجعلهم يبحثون عن أطر فئوية بديلة لمفهوم المواطنة الواحدة المشتركة، وربّما لاستخدام العنف من أجل تحصيل "الحقوق"، كما نجد من يراهنون على أنّ إضعاف الهوية الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكل عام، سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، أو من يريدون إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه.

إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من "ثلاثيات الهوية" في المنطقة العربية (الوطنية والعروبة والدين) هو الحلُّ الغائب الآن في أرجاء الأمَّة العربية. وهذا "الحل" يتطلّب أولاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي، وللتنسيق والتضامن المنشود مستقبلاً بين الدول العربية.

إنّ الدين يدعو إلى التوحّد ونبذ الفرقة. إنّ العروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. إنّ الوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين نحن من ذلك كلّه؟

إنّ ضّعف الولاء الوطني يُصحَّح دستورياً وعملياً من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وبالمساواة أمام القانون في المجتمع الواحد، وبوجود دستور يحترم الخصوصيات المكوّنة للمجتمع.

كذلك هو الأمر بالنّسبة للهويّة العربية، حيث من الضروري التمييز بينها وبين ممارسات سياسية سيّئة جرت من قبل حكومات أو منظمات أساءت للعروبة أولاً وإن كانت تحمل شعاراتها. فالعروبة هي هويّة ثقافية جامعة لا ترتبط بنظام أو حزب أو مضمون فكري محدد، وهي تستوجب تنسيقاً وتضامناً وتكاملاً بين العرب يوحّد طاقاتهم ويصون أوطانهم ومجتمعاتهم.

ما حدث ويحدث في العقود الثلاث الماضية يؤكّد الهدف الأجنبي بنزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة "شرق أوسطية"، بل حتى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات عرقية ومذهبية وطائفية .. وفي هذا التحدّي الأجنبي سعيٌ محموم لتشويه صورة الإسلام والعروبة معاً، من أجل تسهيل السيطرة على الأوطان العربية وثرواتها.

فأن يكون العرب أمَّةً مستباحة لحينٍ من الزمن، فهذا مردّه لضعفٍ وعطبٍِ في الداخل، ولجبروت الخارج. لكن عدم علاج الضعف وإصلاح العطب هو الذي سيتيح للخارج دوماً فرصة التدخّل والهيمنة وإشعال الفتن الداخلية.

المؤلم في واقع الحال العربي أنّ الأمَّة الواحدة تتنازع الآن فيها "هويّات" مختلفة على حساب الهويّة العربية المشتركة. بعض هذه الهويات "إقليمي" أو "طائفي"، وبعضها الآخر "أممي ديني أو عولمي اقتصادي"، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة ثوب هويّتها ولا يهمّ ما ترتدي من بعده، من مقاييس أصغر أو أكبر، فالمهمُّ هو نزع الهويّة العربية !

لقد أكّدتُ، منذ بدء الثورات والانتفاضات الشعبية العربية في مطلع هذا العام، على أهمّية التلازم بين مسائل: "الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية". فهذا التلازم بين هذه القضايا الثلاث يصون كلٌّ منها الآخر ويُحقّق مصالح الناس والأوطان والأمَّة معاً. فكل القوى الأجنبية التي تدعم "الديمقراطية لا غير"، تدعم أيضاً التخلّي عن الهويّة العربية وتُشجّع على التناقض مع حركات التحرّر والمقاومة، وسبيلها لذلك هو تشجيع الانقسامات الطائفية والإثنية حيث تضعف أولاً "الهوية الوطنية" ويكون "العدو" هو "الآخر في الداخل" وليس الطرف المحتل أو الأجنبي. كذلك فإنّ إضعاف "الهوية العربية" يبرّر العلاقة مع الأجنبي والاستنجاد به، كما يُوهن التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية أو أي قضية عربية ترتبط بالمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي ومن يدعمه.

لو أنَّ كيانات هذه الأمَّة العربية قائمةٌ على أوضاعٍ دستورية سليمة تكفل حقّ المشاركة الشعبية في الحياة السياسية وتصون الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين، هل كانت لتعيش ضعفاً وتنازعاً كما حالها الآن؟.

فالأوضاع السائدة الآن في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين والسودان والعراق ولبنان ومصر وفلسطين والصومال، إضافةً إلى ما يحدث في بعض الدول الأخرى، كلّها أزمات تحمل مشاريع كوابيس لن يكون أيٌّ منها محصوراً في دائرته المباشرة، بل ستكون المنطقة بأسرها ساحةً لها ولانعكاساتها.

مشاريع كوابيس بدأت كلّها أحلاماً من أجل "الحرية" أو "الديمقراطية" أو حقوق "الأقليات"، ثم تعثّرت بعد ذلك في قيودِ عبوديةِ أوضاعها الداخلية. فما هو مشتركٌ بين هذه الأوطان/الأحلام أنّ مواقع "الحالمين" جميعهم كانت تفتقد للأرض الوطنية الصلبة، وللوحدة الوطنية السليمة، وللبناء الدستوريّ السليم، وللفهم الصحيح لمسألة "الهويّة".

25-7-2011


 

=====================================================================

التكامل المطلوب بين ثورتَيْ "يوليو" و"يناير"

 

حرص المفكر والكاتب نديم البيطار، في كتاباته العديدة خلال القرن الماضي، على إبراز مسألتين لهما علاقة بما يحدث الآن في مصر والأمَّة العربية. المسألة الأولى هي تأكيد الدور المحوري والطليعي لمصر في المنطقة، والثانية هي في استخدام تعبير "الانقلاب" بدلاً من "الثورة"، كما جاء في مؤلَّفه الضخم: "الإيديولوجية الانقلابية". وأجد فعلاً أنّ الدكتور بيطار قد أصاب في المسألتين تماماً. فمحورية دور مصر بالمنطقة (سلباً أم إيجاباً) لم تعد موضع نقاش وجدل بعد ما حصل في العقود الستة الماضية؛ من تأثير إيجابي كبير أولاً لدور مصر جمال عبد الناصر، ثمّ من التأثيرات السلبية الخطيرة التي حدثت في حقبتَيْ السادات ومبارك.

أمّا تعبير "الانقلاب"، فهو من التعابير التي تعرّضت للتشويه بفعل الممارسات الخاطئة باسمه، لا بسبب معنى التعبير نفسه. تماماً كما حدث مع تعبير "الاستعمار" الذي يعني في أصله وأساسه عملاً إيجابياً خيِّراً (أي الإعمار)، بينما حوّلت ممارسة قوى الاحتلال الأجنبي معاني التعبير إلى الهدم والاستغلال والدّمار. هكذا حصل أيضاً مع تعبير "الانقلاب" الذي ارتبط بالجيوش العسكرية وأحياناً كثيرة بممارسات سيّئة ودون تغيير فعلي في المجتمعات، بينما ساد اعتقاد أنّ "الثورات" هي البديل "الشعبي" عن "الانقلابات العسكرية" وبأنّ "الثورة" تعني التغيير الشامل لا ذاك المحصور بالحكم فقط. فالمزج بين أصول تعبيريْ "الثورة" والانقلاب" هو الذي يُحقّق المعنى الصحيح، إذ أنّ الثورات هي فعلاً حالة شعبية عامّة، لكنّها ترتبط بأسلوب أكثر ممّا هي انعكاسٌ لهدف. هي تعبيرٌ عن غضبٍ شعبيٍّ عارم ضدَّ نظامٍ سائد، لكنّها لا تعني بالضرورة تحقيق هدف التغيير أو الانقلاب السياسي على الواقع المرفوض.

في مصر، نجد أنّ "ثورة 23 يوليو" في العام 1952 بدأت "انقلاباً عسكرياً"، لكن هذا "الانقلاب" تحوّل إلى ثورة شعبية عارمة بعدما وقف معظم الشعب المصري مع التغيير الذي حدث ونقَل مصر من حال نظام الفساد وحكم "النصف بالمائة" والارتهان ل"المستعمر" البريطاني، إلى حال من التحرّر الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية وإنصاف الفلاحين والعمال والفقراء وتخليص مصر من تحكّم الإقطاع ورأس المال المستغل والمرتبط آنذاك بالمصالح البريطانية والفرنسية.

فهكذا كانت مشاكل مصر ومعظم المنطقة العربية في منتصف القرن الماضي: نظام ملكي إقطاعي مدعوم من بريطانيا، التي كانت تتقاسم منذ أواخر القرن التاسع عشر مع فرنسا الهيمنة على بلدانٍ عربية عديدة واحتلالها. ولأنّ مصر عبد الناصر وقفت إلى جانب ثورة الجزائر ودعمتها في حركتها من أجل التحرّر من الاحتلال الفرنسي، تآمرت فرنسا مع بريطانيا وإسرائيل للحرب على مصر في العام 1956 بعد قرار ناصر بتأميم قناة السويس. وهكذا أيضاً بدأ دور مصر العربي والإفريقي في دعم "ثورات" التحرّر الوطني من قوى "الاستعمار" الأجنبي. فتعبير "الثورة" في حقبات عديدة من القرن العشرين كان يعني "التحرّر الوطني من الاحتلال" أو كان يحمل مضامين اجتماعية ضدّ أنظمة احتكار واستغلال. ولم تكن قضية "الديمقراطية" في تلك المرحلة هي شعار هذه "الثورات"، خاصّةً في حقبة "الحرب الباردة"، حيث كان شعار "الديمقراطية" سلاحَ "المعسكر الرأسمالي" ضدّ "المعسكر الإشتراكي" الذي استخدم بدوره شعار "العدل الاجتماعي" ضدّ المعسكر الآخر.

لقد عاشت المنطقة العربية في بداية الخمسينات وحتى منتصف السبعينات من القرن العشرين – رغم الكثير من التعثّر والانتكاس- صحوةً عربية لم تعرف لها في تاريخها الحديث مثيلاً. فمنتصف القرن العشرين جاء حاملاً معه متغيّراتٍ كثيرة في المنطقة العربية، وفي العالم ككلّ. فالخمسينات التي كانت موقعاً زمنياًَ وسطياً للقرن العشرين، كانت أيضاً من خلال قيام "ثورة 23 يوليو" عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، بدء انطلاق حركةٍ تحرّر عربية وسطية "لا شرقية ولا غربية"، ترفض الانحياز إلى أحد قطبيْ الصراع في العالم آنذاك، وترفض الواقع الإقليمي المجزّئ للعرب كما ترفض الطروحات القومية الأوروبية العنصرية والفاشية أو أسلوب الضمّ العسكري، وتنطلق من أرض مصر التي هي موقعٌ جغرافيٌّ وسط يربط إفريقيا العربية بآسيا العربية، وتعيش على ترابها أكبر كثافة سكّانية عربية تملك كفاءاتٍ وقدراتٍ بشرية ضخمة، قياساً بسائر الأقطار العربية الأخرى.

حرب السويس عام 1956 ثمّ إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وقبل ذلك إعلان تأسيس حركة عدم الانحياز ورفض سياسة الأحلاف الاستعمارية، كلّها كانت مصادر إشعال لتيّارٍ جديد قاده جمال عبد الناصر من خلال موقع مصر وثقلها القيادي، وحقّق للمرّة الأولى صحوةً نهضويةً عربية تؤكّد ضرورة التحرّر الوطني والاستقلال القومي والانتماء إلى أمَّةٍ عربيةٍ واحدة، وتدعو إلى وحدةٍ وطنية شعبية في كلّ بلد عربي، وإلى استخدام الوسائل السلمية في الدعوة للوحدة العربية، وإلى نهضةٍ عربيةٍ شاملة في الأطر كلّها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لكن هذه "الصحوة العربية" كانت في غالبيتها "حالةً شعبية" أكثر منها "حالة فكرية" أو "تنظيمية". فالشارع العربي كان مع جمال عبد الناصر "القائد"، لكن دون "وسائل سليمة" تؤمّن الاتصال مع هذه القيادة. فأجهزة المخابرات كانت هي "وسائل الاتصال" في معظم الأحيان بدلاً من البناء التنظيمي المؤسساتي السليم للمجتمعات ولهذه الملايين العربية في بلدان المشرق والمغرب معاً ..

ظروفٌ كثيرة تغيّرت منذ منتصف القرن الماضي، لكن موقع مصر الهام في المنطقة لم يتغير ولا تغيّر أيضاً سعي القوى الأجنبية (الدولية والإقليمية) إلى إضعاف دور مصر وإلى قطع أواصرها العربية والإفريقية والإسلامية (وهي الدوائر الثلاث التي حدّدها جمال عبد الناصر لهويّة مصر ودورها).

إنّ العرب اليوم يستذكرون مصر 23 يوليو، مصر جمال عبد الناصر، مصر الرائدة والقائدة، مصر العروبة والتحرّر والكرامة الوطنية والقومية، وهم كلّهم أمل أن تعود مصر إلى موقعها الطبيعي ودورها الطليعي الإيجابي في الأمَّة العربية وقضاياها العادلة.

هنا أهمّية ما حدث في مصر في "يناير 2011" من "ثورة" شعبية، كانت في مجملها وفي شعاراتها ثورة على الفساد والاستبداد والتبعية للخارج. والأمل كبيرٌ بشباب مصر وطلائعها الوطنية أن تنتقل من "الثورة" الشعبية (في الأسلوب)، إلى "الانقلاب" على ما كانت عليه مصر من واقع قبل "ثورة يناير"، لا على واقع الأوضاع الداخلية المصرية فقط، بل للتصحيح أيضاً لما اعتُمِد من مسارٍ سياسيٍّ خارجيٍّ خاطئ في حقبتيْ السادات – مبارك.

هنا أهمّية أن يحدث الآن التكامل المطلوب بين ما قامت من أجله "ثورة يوليو" وما كانت عليه من نهجٍ تحرّريٍّ عربي، وبين ما هي عليه "ثورة يناير" من أهداف سياسية واجتماعية. مصر بحاجة إلى هذا التكامل بين الثورتين، والأمّة العربية جمعاء بحاجةٍ إليه أيضاً.

إنّ أهمّية ما حدث في "ثورة يناير" هو إحياء الأمل لدى عامّة العرب بإمكان التغيير وبعدم الاستسلام لليأس القاتل لإرادة وأحلام الشعوب بمستقبل أفضل. فجدار الخوف النفسي الذي كان يفصل بين المواطن وحقوقه في الوطن قد تحطّم، وجرى إعادة الاعتبار لدور الناس في عمليات التغيير المطلوبة بالمجتمعات.

في الذكرى ال59 لثورة يوليو، عادت مصر لشعبها، بعد أن استولى عليها لأكثر من ثلاثين عاماً حفنةٌ من الفاسدين والتابعين. وشعب مصر الأبيّ لا يمكن أن يقبل بتقزيم دور وطنه الرائد والطليعي عبر تاريخ المنطقة كلّه.

 

18-7-2011

 

=====================================================================
تغييرٌ عربي لصالح متغيّراتٍ دولية!

 

توجد الآن ثلاثة عناصر تصنع الحاضر العربي: أوّلها وأهمّها، الانتفاضات الشعبية على حال الاهتراء السائد عربياً في الأوضاع السياسية الداخلية، بوجهيها الحاكم والمعارض. وثانيها، التدخّل الأجنبي في شؤون الأوطان العربية. وثالثها، هو غياب المشروع الفكري النهضوي الجاذب لشعوب الأمَّة العربية ولجيلها الجديد الذي كان تائهاً بين السلبية والتطرّف.

فصحيحٌ أنّ هناك خصوصيات يتّصف بها كلُّ بلد عربي، لكن هناك أيضاً مشاكل مشتركة بين أقطار الأمَّة العربية، وهي مشاكل تنعكس سلباً على الخصوصيات الوطنية ومصائرها. لذلك هي حاجة ماسَّة الآن لمشروع عربي نهضوي مشترك، كما هي الحاجة للمشاريع الوطنية التوحيدية داخل الأوطان نفسها.

إنّ سلبيّات الواقع العربي الراهن لا تتوقّف على سوء الأوضاع العربية الداخلية وعلى المخاطر الناجمة عن المطامع الأجنبية فقط، بل تنسحب أيضاً على كيفيّة رؤية العرب لأنفسهم ولهويّتهم ولأوضاعهم السياسية والاجتماعية، وعلى كيفية علاقاتهم مع القوى الخارجية.

ولعل التّعامل مع سلبيّات الواقع والعمل لإيجاد بدائل إيجابيّة يتطلّب تحديد جملة مفاهيم وبرامج عمل ترتبط بالهويّة والانتماءات المتعدّدة للإنسان العربي، وبدور الدّين في المجتمع، وبالعلاقة الحتمية بين حرّية الوطن وحرّية المواطن، وبالفهم الصّحيح للعروبة وللمواطنة وللعلاقة مع "الآخر"، وأخيراً في التلازم المنشود بين الأهداف الوطنية وأساليب العمل اللاعنفية.

ونجد في السياق العام لتاريخ المنطقة العربية أنّ "الخارج الأجنبي" يتعامل معها كوحدة متكاملة ومتجانسة، في الوقت ذاته الذي يدفع هذا "الخارج" فيه أبناء الداخل العربي إلى التمزّق والتشرذم والارتباط المصلحي معه.

هناك تغيير بلا شكّ سيحدث في المنطقة، لكنّه حتى الآن تغيّر متوقَّع دون حسمٍ للاتجاه الذي يسير فيه.. أي أنّ هذه المتغيّرات العربية تحدث الآن باتجاهات مختلفة، وليس لها مستقرّ واحد يمكن الوصول إليه. فجملة عوامل تتفاعل الآن لإحداث تغييرات داخل المنطقة العربية. بعض هذه العوامل هو نموّ طبيعيّ في مجتمعات الأمَّة، وبعضها الآخر هو مشاريع من الخارج يراهن على حصادٍ خاصّ يتناسب مع مصالحه في داخل المنطقة.

ولم تعد هناك قضية مركزيّة واحدة تشدّ اهتمام العرب جميعاً، كما كان الحال العربي قبل منتصف السبعينات من القرن الماضي، فقد أصبح لكلِّ بلد عربي قضيته الخاصّة التي تشغل شعبه وحكومته، رغم وجود عناوين مشتركة لهذه القضايا؛ مثل: الإصلاح السياسي الداخلي، التخلّف الاجتماعي والركود الاقتصادي، تحدّي الأمن والاستقرار، الحفاظ على الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي المشترك، إضافةً طبعاً إلى إستمرارية وجود مشكلة الاحتلال الإسرائيلي.

ولعلَّ المنطقة العربية الآن في حالٍ شبيهٍ بما كانت عليه دول أوروبا الشرقية، عشيَّة انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد الثمانينات، وما نتج عن هذا الانهيار من ولادة أوضاع جديدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في كلّ دول أوروبا الشرقية. بل من المهمّ أيضاً التوقّف عند ظواهر تفتّت بعض الكيانات الأوروبية بحكم الصراع المسلّح، كما حدث في يوغوسلافيا، أو الانفصال الديمقراطي السلمي، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا التي انقسمت إلى دولتين.

لكن هذه التغييرات التي حدثت في أوروبا الشرقية كانت تتمّ أيضاً بتحريض (أو توظيف أحياناً) من قبل الإدارة الأميركية، التي ركَّزت، بالثمانينات في فترتي حكم رونالد ريغان، على محاربة الشيوعية وعلى إثارة عناوين الدين والقوميات والديمقراطية في دول المعسكر الشيوعي، إضافةً لتأثيرات وجود "حلف الأطلسي" عسكرياً وسياسياً على الأراضي الأوروبية.

طبعاً، لم تختر إدارة ريغان في تلك الحقبة الزمنية كلّ الاتجاهات التي سارت عليها دول أوروبا الشرقية بعد تغيير أنظمتها الشيوعية، أي لم تكن واشنطن مثلاً مستفيدةً كثيراً من وحدة ألمانيا، بينما استفادت (واشنطن) من الصراعات في يوغوسلافيا التي أظهرت عجز أوروبا عن حلّها دون الحفاظ على دور "حلف الأطلسي" وعلى الدور القيادي للولايات المتحدة، حتّى في النزاعات الأوروبية الداخلية.

وحينما تحدّث الكثيرون من العرب في حقبة التسعينات عن مخاطر مشروع استبدال "الخطر الشيوعي" على الغرب بنظرية "الخطر الإسلامي" وقاعدته في البلاد العربية، وعن المبشّرين بهذا المشروع في الولايات المتحدة وإسرائيل، غاب عنهم (أي العرب) أنّ ذلك سيعني تكرار ما حدث في أوروبا الشرقية، من تحريكٍ خارجي لعوامل داخلية بهدف إحداث تغييراتٍ نوعيّة في الحكومات وفي المجتمعات.

والجدير ذكره، أنّ معظم قادة "الحملة الريغانية" ضدّ الشيوعية كانوا هم أنفسهم في مواقع مسؤولة في فترتي إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وهم الذين قادوا شعار "الحرية" في الإدارة الثانية لبوش، بعد أن كانت "الحرب على الإرهاب القادم من الشرق"، عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، هي شعار الإدارة الأولى.

وكما أوجدت إسرائيل لنفسها دوراً هامّاً بالنسبة للغرب وأميركا في فترة الحرب الباردة ضدَّ الشيوعية، أوجدت إسرائيل أيضاً الأسباب الداعية لاستمرار دعمها أميركياً وغربياً من خلال الحرب على الإرهاب ومواجهة "العدوّ الجديد" في منطقة الشرق الأوسط.

***

أسئلة عديدة معنيّةٌ بها الآن الحركات الشعبية العربية وقادتها، في ظلِّ هذه الانتفاضات الشعبية العربية الحاصلة من أجل الديمقراطية والإصلاح في المنطقة.

وإذا كانت أيّة دولة تعني مزيجاً من الحكم والشعب والأرض وعلاقات الجوار، فإنّ السؤال الهام، الذي سيكون أمام المتغيّرات القادمة في أيٍّ من الدول العربية، هو: كيف الحكم، لأيِّ شعب، على أيِّ أرض، وبدعم من؟!.

إلا أنّه مهما جرى من اختلافٍ على طبيعة الحكم، فإنّ الحسم مطلوبٌ أولاً لوحدة هذا الشعب، ولحرّية هذه الأرض، ولرفض أي هيمنة أجنبية، ولعدم تحطيم مؤسسات الدولة الواحدة.

فهناك علاقة جدلية واضحة في المنطقة العربية بين سوء الحكم في الداخل وبين محاولات الهيمنة من الخارج. كما هي أيضاً العلاقة السببية بين عطب الحكومات وبين تدهور أحوال المجتمعات والحركات السياسية المعارضة فيها. فكلّما غابت البنى السياسية والدستورية والاجتماعية السليمة في المجتمعات، كلّما كان ذلك مبرّراً للتدخّل الأجنبي ولمزيدٍ من الانقسام بين أبناء الوطن الواحد. وتزداد المشاكل الداخلية تأزّماً كلّما ارتهن البعض لإرادة الخارج من أجل ضمان استمراره في الحكم، أو سعياً ربّما لدى البعض الآخر للوصول إلى الحكم، فإذا بها تصبّ لاحقاً بهم، وبالأوطان معاً، في مهبّ المصالح الخارجية حصراً.

إنَّ الخطر الأكبر الذي يواجه العرب حالياً، ومنذ احتلال العراق في العام 2003، هو تساقط الأوطان العربية واحدها بعد الآخر، وانشغال شعوب المنطقة بصراعاتها الداخلية. فمِن رحْم هذه الصراعات تتوالد أزمات سياسية وأمنية عديدة أبرزها الآن ما حدث في السودان وما يظهر من مخاطر الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، إضافةً إلى التنافس المسلّح على السلطة والحكم.

إنّ الحرّية، قبل أن تُمارَس كعملية دستورية ديمقراطية بين المواطنين، هي حرّية  الأرض وحرّية الوطن وسيادة الشعب على أرضه وقراره الوطني. فكم هو مؤسف ومحزن معاً أن تقترن الدعوة إلى الديمقراطية الآن بسِمات التدخّل الأجنبي من الخارج وبالانقسام الطائفي والإثني من الداخل. فالمشكلة عربياً هي ليست حكراً على كثرة المخطّطات والمشاريع الدولية والإقليمية التي تستهدف البلاد العربية، بل أساس المشكلة هو في واقع الحال العربي الذي نجح وينجح في معارك التحرّر الوطني من الاحتلال الأجنبي، إلا أنّه يفشل في بناء أوطان ومجتمعات صحّية قائمة على أنظمة سياسية سليمة، وعلى حسمٍ لهُويّة الأوطان ولمفهوم المواطنة.

هاهو "الانتداب الأجنبي" الذي خرج من أوطانٍ عربية مركولاً من قِبَل أهل الدار، يعود الآن من نوافذ عديدة في المنزل العربي المصدّع والمهدّد بالانهيار!.

 

11-7-2011

 

 


 

=====================================================================

التدويل والتقسيم يحيطان بمصر..

فما تنتظره قياداتها بعد؟

 

 

سؤال يكرّره العرب اليوم: أين مصر ممّا يحدث الآن في بلاد العرب؟ وهل صحيح أنّ أوضاع مصر الداخلية هي العامل المانع لتحرّكٍ مصريٍّ منشود يوقف تدحرج المنطقة نحو هاوية التدويل أو التقسيم أو الاثنين معاً؟!.

الانتفاضات الشعبية العربية لم تنتظر نضوج الأمور الداخلية في مصر حتى تبدأ حركتها، كذلك هي القوى الإقليمية والدولية والتي سبقت أصلاً هذه الانتفاضات بوضع مشاريع وخطط تضمن مصالحها في المنطقة العربية كيفما كان اتجاه رياح التغيير فيها.

آمال العرب هي على مصر، لأنّ مصر هي القوّة العربية الأساس في كلّ مواجهة خاضتها الأمَّة العربية على مرِّ التاريخ، ولأنّ المنطقة كانت تخضع دائماً لتأثيرات الدور المصري إيجاباً كان أم سلباً. لكن التاريخ يؤكّد أيضاً أنّ أمن مصر هو من أمن العرب وأن استقرارها وتقدّمها مرهونان أيضاً بما يحدث في جوارها العربي.

الآن نجد مصر محاطة بواقع تدويلي/تقسيمي في حدودها الجنوبية مع السودان وفي حدودها الغربية مع ليبيا. وهذا الواقع مرشَّح لمزيدٍ من التدهور والتأثير المباشر على أمن مصر وأوضاعها الداخلية. كذلك هي المخاطر المحدقة في الحدود الشرقية الجنوبية لمصر على باب البحر الأحمر حيث هاجس الحرب الأهلية في اليمن. أمّا على الطرف الشرقي/الشمالي، فمصر مهدّدة أيضاً باحتمالات الفلتان الأمني والسياسي الممكن حدوثه في الشرق العربي نتيجة تفاعلٍ حاصلٍ الآن بين أوضاع داخلية وأشكال مختلفة من التدخّل الإقليمي والدولي السافر في العراق وسوريا ولبنان. هذا كلّه في ظلّ حضور حكومة نتنياهو وما هي عليه من مواقف سياسية ومشاريع تقسيمية للمنطقة، ومن فيها من مسؤولين دعوا أيام حكم حسني مبارك علناً إلى ضرب مصر، فكيف يفكّرون الآن بعد ثورة يناير فيها؟!

ألم تنقل صحيفة "الشروق" المصرية في عددها يوم 4/6/2011 عن الجيش المصري تحذيره من مخطّط لتقسيم مصر إلى ثلاث دويلات! وبأن "القوات المسلحة لديها وثائق تشير الى مؤامرة تحيكها أطراف داخلية وخارجية لتفتيت مصر الى ثلاث دويلات، وطرد الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وتقسيم الدول العربية على غرار ما حدث في السودان"!.

ماذا تنتظر القيادات المصرية للتحرّك عربياً الآن وليس التعامل اليومي فقط مع تداعيات الشأن الداخلي المصري؟!

فلا صحّة إطلاقاً للمنطق الذي يقول أنّ القوات المسلحة المصرية مشغولة في أمور داخلية ولا تقدر على التحرّك في جبهات أخرى. فهناك فرقة عسكرية مصرية واحدة معنيّة بهذا الوضع الداخلي بينما الجيش المصري هو من الجيوش العشرة الأولى في العالم ويصل حجم القوات البرية فيه إلى حوالي نصف مليون جندي إضافةً إلى مليون من جنود الاحتياط، كما يملك الجيش المصري أكثر من خمسة آلاف دبابة. فجيشٌ بهذا الحجم قادرٌ على التحرّك غرباً وجنوباً وشرقاً، إضافةً إلى دوره الداخلي، لو توفّر القرار السياسي لذلك.

لقد كانت ثورة 23 يوليو في مصر عام 1952 نموذجاً رائداً لحركات التحرّر الوطني في العالم، وللتغيير الاجتماعي والسياسي الذي تأثرت به المنطقة العربية عموماً، وترك آثاراً هامّة على شعوب أفريقيا وأميركا اللاتينية وعلى معظم دول "العالم الثالث" التي كانت تعيش أيضاً ظروفاً مشابهة لأوضاع البلاد العربية.

ولم يحدث هذا الاهتمام العربي والتأثّر الدولي بثورة 23 يوليو بمجرّد قيامها في العام 1952، لكنّه حدث من خلال قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي: البريطاني، الفرنسي، والإسرائيلي على مصر في العام 1956. فهذه كانت معركة الإرادة الوطنية ضدّ الهيمنة الأجنبية، ومعركة التحرّر من الاستعمار والاحتلال، وتلك آنذاك كانت قضيّة دول "العالم الثالث" كلّه، كما هي الآن "المسألة الديمقراطية".

كذلك كان تجاوب الشعوب العربية مع قيادة ثورة 23 يوليو حينما أطلق قائد الثورة جمال عبد الناصر الدعوات لتضامن الأمّة العربية ولوحدة شعوبها، ولتصحيح واقع فرضه المستعمر لكي تسهل هيمنته على ثروات ومقدّرات الأمّة العربية وعلى موقعها الجغرافي الهام.

فقد أدرك جمال عبد الناصر دور مصر الريادي في التاريخ القديم والحديث، وبأنّ مصر لا يمكن أن تعيش منعزلةً عن محيطها العربي وعمّا يحدث في جناحيْ الأمّة بالمشرق والمغرب، بينما مصر هي في موقع القلب، وبأنّ أمن مصر وتقدّمها يرتبطان بالتطوّرات التي تحدث حولها.

ولو ظهر جمال عبد الناصر في غير مصر لما استطاع أن يكون عظيماً بدوره، ولما كانت تجربته بالقيمة نفسها. فالعنصر الأهم في قيمة تجربة ناصر هو مكانها، أي مصر، وبما هي عليه مصر من موقع جغرافي يربط آسيا بأفريقيا، وشرق العرب بمغربهم، ولِما كان – وما يزال- لهذا الموقع من أهمّية استراتيجية لكلّ من أراد الهيمنة على عموم المنطقة.

وصحيح أن ثورة 23 يوليو عام 1952 كانت "مصرية" المنطلق، كما هي ثورة يناير الآن، لكنّها كانت "عربية" في قضاياها ومعاركها وآثارها السياسية والفكرية والاجتماعية، وهذا بحدّ ذاته كان كافياً لانشداد كلّ العرب إلى ما يحدث في مصر ماضياً وحاضراً. فالاختلال بتوازن مصر وبدورها يعني اختلالاً في توازن الأمّة العربية كلّها، وهذا ما حصل فعلاً بعد زيارة السادات لإسرائيل ثم توقيع معاهدات "كامب ديفيد" في العام 1979.

وحينما ثار شباب مصر لتغيير أوضاع دستورية واجتماعية مصرية، كانوا أيضاً يجسّدون بذلك أملاً كبيراً لكلِّ العرب بتغيير واقعهم أيضاً، واقعهم الداخلي وواقع أمّتهم كلّها.

إنّ أهمّية ما حدث في ثورة يناير المصرية هو إحياء الأمل لدى عامّة العرب بإمكان التغيير وبعدم الاستسلام لليأس القاتل لإرادة وأحلام الشعوب بمستقبل أفضل.

لكن الأمَّة العربية ما زالت تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن هشاشة البناء الداخلي وغياب الديمقراطية السياسية، ممّا يسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها ويدفع بالوضع العربي كلّه نحو مزيدٍ من التأزّم والتخلّف والسيطرة الأجنبية.

الأمَّة العربية تحصد الآن نتائج سياسات حكّامٍ فاسدين في ظل اشتعال دور الطائفيين والمذهبيين والمتطرّفين العاملين على تقطيع أوصال كلّ بلد عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية.

وهناك نماذج مختلفة من حركات التغيير السياسي التي تشهدها المنطقة العربية حالياً. إذ أنّ  أمراض جسم النظام العربي الراهن ليست لها وصفة طبية سياسية واحدة. وما نجح في تونس ومصر لن يكون بالضرورة هو حال البلدان العربية الأخرى التي تشهد حالياً انتفاضاتٍ وتحوّلاتٍ سياسية هامّة. وليست الظروف الداخلية فقط هي عناصر الاختلاف بين هذا البلد وذاك، بل تلعب أيضاً المصالح الدولية والإقليمية دوراً هاماً في تقرير مصير بعض البلدان العربية.

إنّ مصر معنيّة الآن بشكلٍ كامل في كلّ ما يحدث بالمنطقة. والأمن القومي المصري والعربي يتطلّب الآن تحرّكاً سريعاً وجادّاً من المجلس العسكري الذي يقود مصر حالياً، فمصر هي الآن بين بلدين عربيين يشهدان مخاطر داخلية كبيرة (السودان وليبيا) وهاهما الآن يتّجهان نحو هاوية التقسيم والتدويل، ممّا يشكّل بالتالي، على الأمن الوطني المصري، مخاطر كبيرة.

طبعاً، المراهنة الأولى والأخيرة يجب أن تكون على شعب كل بلد عربي لإحداث التغيير السليم في الأوطان، ممّا يُحمّل "القوى المعارضة" مسؤوليةً كبيرة في الحرص على هدف وحدة الشعب ووحدة الأرض وعروبة البلد واستقلاليته الوطنية ورفض الانجرار إلى مشاريع الهيمنة الدولية والإقليمية.

وبمقدار ما تألّم العرب سابقاً من وجع سياسات قام بها حكم السادات/مبارك منذ توقيع المعاهدة مع إسرائيل، ومن تهميشٍ ثمَّ لدور مصر العربي، بقدر ما يشدّهم الأمل اليوم بعودة مصر إلى دورها الريادي لصالح مصر وكلّ العرب.

 

4-7-2011

 


 

=====================================================================

مؤامرات أمْ مجرّد حراكٍ شعبي؟

 

 

هناك فرزٌ حاصل الآن بين منظورين سياسيين لما يحدث في المنطقة العربية. المنظور الأول يحصر  الأمر ب"مؤامرة دولية" تستهدف الهيمنة الكاملة على العرب ووضعهم جميعاً تحت "الوصاية الدولية"، بينما يرى الآخر أن لا مؤمرات خارجية، بل هو فقط حراكٌ شعبي عربي مشروع ولا يجوز ربطه بأيّة جهةٍ خارجية.

ثمّة "رأي ثالث" لا يجد له متّسعاً كبيراً في التدوال السياسي والإعلامي، وهو رأي يؤكّد على نزاهة الثورات والانتفاضات الشعبية العربية، وعلى حقّ الشعوب في التحرّك من أجل الحدّ من الاستبداد والفساد، لكن دون إغفالٍ لما يحدث أيضاً من محاولاتٍ إقليمية ودولية لتوظيف هذا الحراك الشعبي وتحريفه وجعله يخدم مخطّطات ومشاريع سبقت بسنوات هذا الحراك العربي.

فواقع الحال العربي الآن يقوم على مزيج من هواجس خوف على أوطان مع بوارق أمل من شعوب. وما يحدث في هذا العام داخل أوطان الأمة العربية من مشرقها إلى مغربها، وفي عمقها الأفريقي، هو دلالةٌ هامّة على نوع وحجم القضايا التي عصفت لعقودٍ طويلة، وما تزال، بالأرض العربية. وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد الحكومات السياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين المصالح الأجنبية في هدم وحدة الأوطان.

ولعلَّ أهمّ دروس هذه القضايا العربية المتداخلة الآن هو تأكيد المعنى الشامل لمفهوم "الحرّية" حيث أنّ الحرّية هي حرّية الوطن وحرّية المواطن معاً، ولا يجوز القبول بإحداها بديلاً عن الأخرى. كذلك هو التلازم بين الحرّيات السياسية والحرّيات الاجتماعية، فلا فصل بين تأمين "لقمة العيش" وبين حرّية "تذكرة الانتخابات". وكم يتعاظم حجم المأساة حينما تعاني بعض الأوطان من انعدام كل مضامين مفهوم الحرية، أو حين يجتمع لديها وجود حكوماتٍ تفرض "الخوف والجوع" معاً في ظلِّ هيمنةٍ أجنبية وفسادٍ سياسي في المجتمع.

ربّما كانت سمة مشتركة بين عدّة بلدان عربية أن نجحت شعوبها في مقاومة المستعمر والمحتل ثمّ فشلت قياداتها في بناء أوضاع داخلية دستورية سليمة. فمعارك التحرّر الوطني لم تكن مدخلاً لبناء مجتمعات حرّة يتحقّّق فيها العدل السياسي والاجتماعي والمشاركة الشعبية في الحكم وفي صنع القرار. ولذلك السبب، عادت هذه البلدان إلى مشكلة كيفيّة التعامل مع قضية الهيمنة الأجنبية.

كذلك نجد على مستوى الشعوب العربية عموماً حالاتٍ سلبية من الانقسام على أسس طائفية أو قبلية أو أثنية بدلاً من الصراعات السياسية والفكرية والاجتماعية والطبقية، والتي هي ظواهر صراعات طبيعية في أيِّ مجتمعٍ حيويٍّ موحّد.

أمّا على صعيد الدور الخارجي في الأزمات العربية، فهو حتماً عنصرٌ فاعل في إحداثها أو في توظيفها واستثمارها. وهذا الدور الخارجي يجمع، كما فعل على امتداد العقود الماضية، بين إسرائيل وجهات دولية وإقليمية كبرى، وتدخّلها كلّها حتّى في أصغر القضايا العربية.

لكن هذا التدخّل الإسرائيلي/الأجنبي ما كان ليحدث بهذا الشكل والمضمون لولا حالات الوهن والضعف في الجسم العربي عموماً وداخل الكثير من أوطان العرب.

بل إنّ ذلك كلّه يؤكّد جدّية المشروع الإسرائيلي الساعي لتفتيت ما هو أصلاً مقسّمٌ عربياً، ولإقامة دويلات دينية وأثنية تبرّر وجود "الدولة اليهودية" التي ستتحكّم في مصائر هذه الدويلات وترث "الرجل العربي المريض" كما ورثت اتفاقيةُ (سايكس/البريطاني وبيكو/الفرنسي) مطلع القرن الماضي "الرجلَ التركي المريض".

أمّا المشروع الأميركي للمنطقة فقد كان خلال حقبة بوش و"المحافظين الجدد" يقوم على فرض حروب و"فوضى خلاّقة" و"شرق أوسطي جديد"، وعلى الدعوة لديمقراطيات "فيدرالية" تُقسّم الواطن الواحد ثم تعيد تركيبته على شكل "فيدرالي" يحفظ حال التقسيم والضعف للوطن ويضمن استمرار الهيمنة والسيطرة على ثرواته ومقدّراته وقرارته. وكانت نماذج هذا المشروع في العراق وفي السودان معاً. الآن نجد إدارةً أميركية تعمل على تحقيق المصالح الأميركية من خلال دعوة الحكومات العربية (والضغط عليها) لتحقيق إصلاحات دستورية واقتصادية تضمن أيضاً في هذه البلدان بقاء المصالح الأميركية، إذ لا يهمّ الحاكم الأميركي إلا المصالح الأميركية، فهو قد يكون مع تغيير أشخاص وحكومات في بلدٍ ما ولا يكون كذلك في بلدان أخرى. الأمر يتوقّف طبعاً على "ظروف" هذا البلد ونوع العلاقة الأميركية مع المؤسسات القائمة فيه بما فيها المؤسسة العسكرية، لكن الاعتبار الأميركي الأهم هو "نوع" البدائل الممكنة لهذا النظام أو ذاك.

وما يحدث الآن في عموم أرض العرب، هو تعبيرٌ ليس عن خطايا حكومات وأنظمة أو عن "تدخل خارجي" فقط، بل هو أيضاً مرآةٌ تعكس الفهم الشعبي العربي الخاطئ للدين وللهويتين العربية والوطنية ولمدى خلط بعض المعارضات بين مواجهة الحكومات وبين هدم الكيانات الوطنية، ولسقوط بعض المعارضين والمفكّرين في وحل وهُوّة التفكير الطائفي والمذهبي، أو في مستنقع "الدعم الأجنبي".

إنّ المشترك بين البلاد العربية لم يعد وحدة اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا فحسب، بل أيضاً وحدة الحال من حيث وجود العديد من الحكومات الفاسدة والقمع السياسي والبطالة الواسعة والفقر الاجتماعي وانعدام فرص العمل أمام الجيل الجديد، وكلّها عناوين لانتفاضات شعبية وراءها عشرات الملايين من المظلومين والفقراء على الأرض العربية. لكن ماذا بعد الانتفاضات، وعلى أساس أيِّ برنامجٍ للتغيير، بل وفق أيِّ أسلوبٍ في التحرّك من أجل التغيير؟

فأسلوب التغيير الداخلي، المنشود في عدّة بلدان عربية، لا يجب أن يخرج عن رفض استخدام العنف المسلّح مهما كانت الأعذار والظروف، وعلى المضطلعين بالتغيير أن يحرصوا أيضاً على استقلالية التحرّك الشعبي عن أيِّ جهةٍ خارجية، وعلى التمييز بين صوابيّة هدف الضغط على النظام وبين خطيئة تحطيم الدولة، فما زال هاجس "التغيير الجغرافي" في البلدان العربية أشدّ حضوراً من أمل "التغيير السياسي".

وقد تستفيد القوى الأجنبية الدولية والإقليمية من تصدّع العرب ومن تداعيات أوضاعهم سياسياً وأمنياً، لكنَّ ذلك سيؤكّد من جديد مخاطر النهج الذي سارت عليه هذه الأمَّة خلال العقود الأربعة الماضية على مستوى معظم حكوماتها وشعوبها وحركاتها السياسية.

وطالما أنَ الانقلابات العسكرية الداخلية من أجل تغيير الحكومات هي الآن صعبة، وهي أسلوبٌ مرفوض حالياً في العالم ككلّ، فأيُّ نظامٍ ديمقراطي يمكن أن يستتبَّ حصيلة فوضى حروبٍ أهلية أو تدخّلٍ عسكريٍّ خارجي؟.

إنَّ الكثير من الحكومات العربية أعطت الأولويّة لاستمرارية الحاكم في الحكم، لا لاستمرارية الوطن نفسه. والكثير من المعارضات العربية أعطت الأولوية للتغيير في الحكم، لا في المجتمعات التي تتوارث فيها الأجيال مفاهيم خاطئة عن النّفس وعن الآخر، بينما الغائب-المطلوب هو طروحات وطنية عروبية ديمقراطية تبني جيلاً عربياً جديداً، واعياً فكرياً، وليس ناشطاً حركياً فقط، وتحوّل طاقاته إلى قوّة تغييرٍ سلمي تُصلح مجتمعها وترتقي به، وتصون وحدة أوطانها، وتردع أيَّ تآمرٍ خارجي.

 

27-6-2011

 


 

=====================================================================

موجودٌ "شارعٌ عربي".. لا "مشروعاً عربياً"

 

 

تشهد الآن الأرض العربية جملة تحوّلاتٍ سياسية شبيهة بما حدث منذ مائة عام تقريباً بعد ما أفرزته الحرب العالمية الأولى من نتائج، والتي كان أهمّها انتهاء الحقبة العثمانية في الشرق العربي وهيمنة الأوروبيين على المنطقة، في ظلّ ما كان يُعرف تاريخياً بمصطلحات بدأت مع تعبير "المسألة الشرقية" وانتهت بتعبير "وراثة الرجل التركي المريض".

وقد حصلت في تلك الفترة مراهناتٌ عربية على دعم الأوروبيين لحقّ العرب المشروع في الاستقلال وفي التوحّد بدولة عربية واحدة. وسُمّيت تلك المرحلة ب"الثورة العربية الكبرى"، وهي ثورة قام بها الشريف حسين حاكم مكة في يونيو عام 1916 ضدّ الدولة العثمانية بدعمٍ من بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى. وقد جاء في موسوعة "ويكيبيديا": "أنّ الشريف حسين أعلن الثورة ضدّ الأتراك باسم العرب جميعا. وكانت مبادئ الثورة العربية قد وُضعت بالاتفاق ما بين الحسين بن علي وقادة الجمعيات العربية في سوريا والعراق في ميثاق قومي عربي غايته استقلال العرب وإنشاء دولة عربية متّحدة قوية، وقد وعدت الحكومة البريطانية العرب من خلال مراسلات حسين مكماهون (1915) بالاعتراف باستقلال العرب مقابل اشتراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضدّ الأتراك".

وتُتابع "ويكيبيديا": "تمكّنت الثورة العربية من طرد القوات التركية من الحجاز، ومن مناطق في شرق الأردن، وساعدت المجهود الحربي البريطاني عسكرياً وسياسياً في المشرق العربي. اقترب العرب من إقامة الدولة العربية الموحّدة في الجزيرة والمشرق، إلا أن بريطانيا بدأت تنفّذ مخططاتها في التجزئة والاحتلال والإلحاق، فقسّمت البلاد إلى 3 مناطق عسكرية: جنوبية وتشمل فلسطين تحت الإدارة البريطانية، وشرقية تمتدّ من العقبة جنوباً حتى حلب شمالاً تحت إدارة فيصل، وغربية تضمّ المنطقة الساحلية من سوريا ولبنان؛ من صور جنوباً إلى كليكيا شمالاً تحت ال&#